بقلم: الباز عبدالإله
تمنح أرقام السياحة والصادرات وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج الاقتصاد المغربي مؤشرات إيجابية يصعب إنكارها، لكنها لا تكفي وحدها لتقديم الصورة كاملة.
فخلف ارتفاع موارد العملة الأجنبية، ترتفع في الجهة المقابلة كلفة احتياجات المغرب من الخارج بوتيرة أسرع، ويكشف تفكيك الأرقام أن الزيادة السنوية في كلفة واردات الطاقة وحدها تجاوزت ما أضافته عائدات السياحة وتحويلات الجالية مجتمعين خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026.
نشرت منصة «EnterpriseAM»، في عددها الاقتصادي الإقليمي الصادر اليوم الاثنين 5 أكتوبر، قراءة لمعطيات المبادلات الخارجية المغربية، سلطت فيها الضوء على هذا التناقض، استناداً إلى بيانات مكتب الصرف الخاصة بالفترة الممتدة من يناير إلى نهاية غشت 2026.
المقارنة هنا لا تتعلق بمجموع مداخيل السياحة والجالية مقابل مجموع كلفة واردات الطاقة، بل بحجم الزيادة التي سجلها كل بند خلال سنة واحدة.
فقد بلغت عائدات السياحة نحو 97.926 مليار درهم، مقابل 89.239 ملياراً خلال الفترة نفسها من السنة السابقة، أي بزيادة فعلية قدرها نحو 8.687 مليارات درهم.
ووصلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج إلى 89.215 مليار درهم، مقابل 81.846 ملياراً، أي بزيادة إضافية تناهز 7.369 مليارات درهم.
وبجمع الزيادتين، تكون السياحة وتحويلات الجالية قد أضافتا إلى موارد المغرب نحو 16.056 مليار درهم خلال عام.
في المقابل، ارتفعت كلفة واردات الطاقة من نحو 72.664 مليار درهم إلى 96.367 ملياراً، أي بزيادة قدرها 23.703 مليار درهم.
النتيجة الحسابية واضحة: الزيادة في كلفة واردات الطاقة تجاوزت الزيادة المجمعة في مداخيل السياحة وتحويلات الجالية بنحو 7.647 مليارات درهم.
هذا الفارق لا يعني أن الطاقة «استهلكت» مجموع ما أدخله السياح والجالية، لأن المقارنة تخص الزيادة السنوية فقط، لكنه يكشف أن التركيز على ارتفاع موارد العملة الأجنبية دون وضعها مقابل تطور كلفة الاستيراد قد يقدم صورة ناقصة عن الاتجاه العام للاقتصاد.
وتصبح الصورة أكثر وضوحاً عند الانتقال إلى التجارة في السلع.
فقد بلغت صادرات المغرب خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة 334.892 مليار درهم، بارتفاع 8.7 في المائة، بينما قفزت الواردات إلى 617.508 مليار درهم، بزيادة بلغت 15.8 في المائة.
أي أن الواردات نمت تقريباً بضعف وتيرة الصادرات.
وبذلك انتقل العجز التجاري من نحو 225.284 مليار درهم إلى 282.615 ملياراً، بزيادة تقترب من 57.3 مليار درهم، أي بنسبة 25.4 في المائة خلال سنة واحدة.
كما تراجعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات من 57.7 في المائة إلى 54.2 في المائة، بخسارة 3.5 نقاط.
داخل القطاعات المصدرة نفسها، لا تتحرك المؤشرات في الاتجاه ذاته.
فقد ارتفعت صادرات السيارات بنسبة 14.5 في المائة إلى نحو 116.148 مليار درهم، وسجل قطاع الطيران بدوره تقدماً قوياً، بينما تراجعت صادرات الفوسفات ومشتقاته بنحو 6 في المائة.
هذه الأرقام تسمح بتقديم قطاعات بعينها باعتبارها قصص نجاح حقيقية، لكنها لا تكفي لتحويل الأداء الجيد لبعض القطاعات إلى حكم شامل على وضع الاقتصاد كله.
ففي الجهة الأخرى من الحساب، توجد فاتورة استيراد ترتفع بوتيرة أسرع، وعجز في تجارة السلع ازداد بأكثر من الربع خلال عام واحد.
ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق اختزال ارتفاع الواردات كله في خانة سلبية.
فقد ارتفعت أيضاً واردات سلع التجهيز النهائية، وهي معدات وآلات يمكن أن تعكس توسعاً في الاستثمار والقدرة الإنتاجية، كما تحسن فائض ميزان الخدمات، مدعوماً أساساً بالسياحة ومداخيل خدمات أخرى.
لذلك لا يمثل العجز التجاري في السلع، بمفرده، الميزان الخارجي الكامل للمغرب، ولا يمكن مساواته مباشرة بميزان الأداءات الذي يضم الخدمات والتحويلات والاستثمارات وتدفقات مالية أخرى.
لكن هذه الاحتياطات لا تلغي السؤال المركزي.
فإذا كانت الحكومة تعرض ارتفاع السياحة والصادرات والاستثمار باعتباره دليلاً على تحسن الأداء الاقتصادي، فمن المشروع في المقابل مساءلتها عن سبب اتساع الفجوة بين ما يبيعه المغرب للخارج وما يشتريه منه، وعن حصيلة السياسات التي يفترض أنها تستهدف تقليص التبعية الطاقية وتخفيف تعرض الاقتصاد لصدمات الأسواق الدولية.
ارتفاع كلفة واردات الطاقة، بمفرده، لا يثبت فشل سياسة حكومية.
فقيمة الواردات تتأثر بالأسعار الدولية وبالكميات المستوردة في آن واحد، كما سجلت كلفة واردات الغازوال وزيت الوقود ارتفاعاً قوياً خلال الفترة نفسها.
ولهذا يقتضي تقييم المسؤولية السياسية الفصل بين ثلاثة عناصر: أثر أسعار الطاقة في الأسواق الدولية، وتطور حجم الاستهلاك والكميات المستوردة، ثم الأثر الفعلي للبرامج الحكومية المعلنة لتطوير الطاقات المتجددة وتقليص الاعتماد على الخارج.
المشكلة هنا لا تتعلق بغياب المشاريع أو الاستثمارات المعلنة في قطاع الطاقة، بل بالسؤال عن أثرها الملموس على درجة اعتماد الاقتصاد المغربي على الخارج.
فبعد سنوات من إطلاق مشاريع في الطاقات المتجددة، وتقديم رهانات جديدة مرتبطة بالهيدروجين الأخضر والسيادة الطاقية، تظل فاتورة الاستيراد واحدة من المؤشرات الأساسية لاختبار المسافة بين حجم الطموح المعلن والنتائج التي تظهرها الحسابات الخارجية.
السؤال، بعد سنوات من الحديث عن الانتقال الطاقي والسيادة الطاقية، ليس ما إذا كانت أسعار النفط والوقود ترتفع عالمياً، فهذا أمر لا تتحكم فيه الرباط، بل: ما الذي تغير داخل الاقتصاد المغربي حتى يصبح أقل تعرضاً لهذه الصدمات؟
وما الأثر القابل للقياس للمشاريع والاستثمارات المعلنة في الطاقة المتجددة على فاتورة الاستيراد؟
وهل انخفضت تبعية المغرب الطاقية فعلاً بالسرعة التي يوحي بها حجم المشاريع والطموحات المعلنة؟
المساءلة تخص أساساً حصيلة السياسات التي جرى تنفيذها خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2026، أي المرحلة التي أنتجت هذه الأرقام.
أما الحكومة المقبلة، التي لم تتشكل بعد، فسترث الملف نفسه، وستُقاس نتائجها لاحقاً بما إذا استطاعت تغيير هذه المؤشرات، لا بمجرد إعادة تقديمها.
النجاح القطاعي يستحق التوثيق، سواء تعلق بالسياحة أو السيارات أو الخدمات أو تحويلات المغاربة بالخارج، لكن تقييم الاقتصاد يحتاج ميزاناً أوسع من عدّ السياح وإعلان نسب نمو الصادرات.
الأرقام تفرض سؤالاً أبسط وأثقل سياسياً:
كم ينجح المغرب في زيادة موارده من الخارج، وكم ترتفع في الوقت نفسه كلفة احتياجاته؟
لأن اقتصاداً تزيد صادراته بـ8.7 في المائة بينما ترتفع وارداته بـ15.8 في المائة، ويتسع عجزه التجاري بـ25.4 في المائة، يحتاج إلى قراءة أشمل من الاحتفاء بمؤشر واحد.
وتغيير الفريق الحكومي لا يغلق سؤال الحصيلة، بل ينقل إلى الحكومة المقبلة اختباراً أكثر صعوبة: هل تستطيع تحويل النجاحات القطاعية ومشاريع الانتقال الطاقي إلى تحسن قابل للقياس في التوازنات الكبرى، أم ستظل الأرقام الإيجابية تتقدم في جهة بينما تتسع الفجوة في الجهة الأخرى؟
