بقلم: الباز عبدالإله
أحد عشر عاماً مرت على إطلاق مبادرة «كرامة» لإنهاء الوضعية المأساوية التي عاشها مئات الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية وعقلية داخل ضريح «بويا عمر» ومحيطه بإقليم قلعة السراغنة.
غير أن دراسة علمية حديثة تعيد اليوم إلى الواجهة سؤالاً ظل مؤجلاً: ماذا حدث للمرضى بعد نقلهم، وإلى أين وصل مسار التأهيل وإعادة الإدماج الذي أعلنت عنه وزارة الصحة؟
الدراسة، التي نُشرت أمس الاثنين 5 أكتوبر 2026 في مجلة «Mental Illness» عبر منصة Wiley، وأعدها باحثون من جامعة القاضي عياض بمراكش، تعيد الملف إلى النقاش من زاوية مختلفة: ليس كيف خرج المرضى من «بويا عمر»، وإنما ماذا تحقق لهم بعد الخروج.
مبادرة «كرامة»، التي انطلقت في يونيو 2015، لم تُقدَّم باعتبارها مجرد عملية نقل لوجستي. فقد عبأت لها الوزارة حينها 34 طبيباً و122 ممرضاً متخصصاً و70 سيارة إسعاف، إلى جانب الموارد والأدوية الضرورية للتكفل بالحالات التي جرى نقلها.
لكن الوعد الرسمي كان أوسع من الإخلاء والعلاج الاستعجالي؛ إذ شمل التأهيل النفسي والاجتماعي، ومواكبة الأسر، وإعادة الإدماج، وإحداث مؤسسات وسيطة تسمح بانتقال تدريجي للمرضى من الرعاية المؤسساتية إلى الحياة داخل الأسرة والمجتمع.
وعندما أُعلن انتهاء عملية إخلاء «بويا عمر» في 29 يونيو 2015، كانت المؤسسات الصحية قد استقبلت 795 مريضاً، وقدمت الوزارة العملية باعتبارها مرحلة أولى يفترض أن تعقبها مرحلة ثانية تركز على إعادة الإدماج.
كما أعلنت إحداث مركب طبي ونفسي واجتماعي بمنطقة بويا عمر مخصصاً للتأهيل ومواكبة المرضى وأسرهم.
بعد 11 عاماً، تأتي الدراسة الجديدة لتطرح سؤال الحصيلة من جديد.
البحث الميداني شمل 1040 مشاركاً موزعين بالتساوي بين أربع مجموعات: مرضى مستفيدون من «كرامة»، ومرضى غير مستفيدين، وأقارب المرضى في المجموعتين. وجُمعت المعطيات بين يناير ويونيو 2024.
وأظهرت النتائج تبايناً لافتاً في الطريقة التي يدرك بها المرضى اضطرابهم.
فقد سجل المستفيدون من «كرامة» متوسط 4.36 من 10 في الإحساس بالتحكم الشخصي في المرض، مقابل 7.34 لدى المرضى غير المستفيدين.
أما مستوى فهم المرض فسجل 3.38 لدى المستفيدين، مقابل 5.66 لدى غير المستفيدين.
هذه الأرقام لا تمثل نسب شفاء أو فشل، وإنما تقيس أبعاداً مرتبطة بتصور المريض لمرضه.
غير أن أهميتها لا تقف عند المقارنة الخام بين المجموعتين.
فبعد ضبط مجموعة من المتغيرات، بينها السن والجنس والمستوى التعليمي والتشخيص والتغطية الصحية وتعاطي المواد وصفة المجيب، ظل عدم الاستفادة من «كرامة» مرتبطاً بارتفاع قدره 3.36 نقاط في التحكم الشخصي و1.24 نقطة في فهم المرض، بمستوى دلالة إحصائية يقل عن 0.001 في الحالتين.
هذه النتائج لا تسمح بالقفز إلى استنتاج أن برنامج «كرامة» تسبب في الفروق المسجلة.
الدراسة مقطعية، أي إنها ترصد وضع المشاركين خلال فترة محددة ولا تثبت علاقة سببية.
كما أن التركيبة السريرية للمجموعتين مختلفة بشكل واضح؛ إذ بلغت نسبة الاضطرابات الذهانية 65 في المائة لدى مرضى «كرامة»، مقابل 16.2 في المائة فقط لدى المرضى غير المستفيدين، وهو فرق يمكن أن يؤثر في مستوى الاستبصار بالمرض والإحساس بالقدرة على التحكم فيه.
كما لم تدخل شدة الأعراض ضمن المتغيرات المضبوطة إحصائياً، وهو قيد آخر يمنع تحويل النتائج إلى حكم نهائي على البرنامج.
لكن التحفظ العلمي لا يلغي السؤال المتعلق بالسياسة الصحية.
فالمجموعة التي مرت عبر مسار «كرامة» سجلت، بعد سنوات من إطلاق المبادرة، مستويات أدنى في مؤشرين يتعلقان بفهم المرض والإحساس بالتحكم الشخصي فيه.
وإذا كانت طبيعة الحالات وشدتها تمنع نسبة هذه الفوارق إلى البرنامج نفسه، فإنها تجعل الحاجة إلى تقييم التأهيل والمواكبة أكثر إلحاحاً.
الدراسة توصي بتطوير برامج التثقيف النفسي الموجهة إلى المرضى وأسرهم، وإدماج تقييم تصورات المرض في المتابعة السريرية، وتحسين التواصل بين المرضى والعائلات ومهنيي الصحة.
كما تناقش الورقة احتمال أن ترتبط الإقامة المؤسساتية، في بعض الحالات، بانخفاض الإحساس بالتحكم الشخصي، خصوصاً عندما تكون مساحة المريض محدودة في اتخاذ القرارات المتعلقة برعايته.
ويقدم الباحثون هذا التفسير باعتباره فرضية تحتاج إلى مزيد من البحث، لا نتيجة مثبتة.
وهنا ينتقل النقاش من عدد الأسرّة والأدوية إلى سؤال أكثر تعقيداً: ماذا يعني التأهيل فعلياً؟
نجاح الرعاية النفسية لا يقاس فقط باستقرار الأعراض أو استمرار العلاج، خصوصاً عندما يكون الهدف الرسمي المعلن هو إعادة الإدماج وتمكين المريض، قدر الإمكان، من استعادة القدرة على فهم حالته والمشاركة في القرارات المتعلقة بحياته وعلاجه.
وتبقى أسئلة أساسية بلا إجابات منشورة تسمح للرأي العام بتقييم النتائج: كم مريضاً من مرضى «كرامة» عاد إلى أسرته؟ كم حالة ما تزال داخل مؤسسات الرعاية؟ كم مستفيداً خضع لبرامج تأهيل نفسي أو اجتماعي أو مهني؟ وكم أسرة تلقت المواكبة التي وُعدت بها؟
ثم ماذا تحقق من المؤسسات الوسيطة التي أعلنت عنها الوزارة؟ وما مآل المركب الطبي والنفسي والاجتماعي المبرمج؟ وما المؤشرات التي تعتمدها الدولة أصلاً لقياس نجاح إعادة الإدماج بعد مرور 11 عاماً؟
إغلاق «بويا عمر» أنهى وضعاً أثار لسنوات انتقادات حقوقية وإنسانية واسعة، لكن عملية الإخلاء لم تكن، بحسب ما أعلن رسمياً سنة 2015، سوى البداية.
أما الحكم على ما جاء بعدها فلا يمكن أن يبقى رهين البلاغات والوعود.
وزارة الصحة مطالبة اليوم بتقديم حصيلة قابلة للقياس: عدد المستفيدين الذين أعيد إدماجهم، وضع المؤسسات المعلن عنها، الموارد التي خصصت للتأهيل والمواكبة، والنتائج التي حققتها هذه التدخلات على امتداد السنوات الماضية.
الدراسة الجديدة لا تقول إن «كرامة» فشلت، ولا توفر أساساً علمياً لقول ذلك.
لكنها تقدم معطيات جديدة تجعل سؤال التقييم أصعب على التأجيل.
بعد 11 عاماً، لم يعد السؤال كيف خرج المرضى من «بويا عمر»، بل أين قادتهم «كرامة» بعد الخروج، وبأي أرقام تستطيع الدولة إثبات ذلك.
