بقلم: الباز عبدالإله
بينما تجاوز سعر لتر الغازوال 16 درهماً في عدد من محطات الوقود المغربية، وعادت الدولة إلى تخصيص دعم مباشر واستثنائي لمهنيي النقل لمواجهة موجة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات، تظهر في البيانات الأوروبية صورة أخرى للسوق تستحق جواباً علنياً: خلال شهر واحد فقط، سجلت إسبانيا وصول نحو 58 ألف طن من المنتجات النفطية المكررة كان المغرب آخر بلد شُحنت منه قبل دخولها السوق الأوروبية.
المعطى لا يعني أن المغرب أنتج هذه المحروقات أو قام بتكريرها، ولا يسمح بالقول إن المملكة «تُصدر نفطاً تنتجه». لكنه يفتح سؤالاً أكثر دقة وأصعب تجاهلاً: ما حجم المنتجات النفطية التي تمر عبر الموانئ والمنشآت المغربية لأغراض التخزين والتجارة وإعادة الشحن، وكم منها موجه فعلياً للاستهلاك الوطني، ومن هم الفاعلون الذين يديرون هذه التدفقات، وتحت أي أنظمة جمركية وتجارية تتم؟
بيانات Eurostat الشهرية الخاصة بواردات النفط والمنتجات النفطية حسب البلد الشريك، ضمن قاعدة “nrg_ti_oilm”، تظهر أن إسبانيا سجلت في يونيو 2026 نحو 58 ألف طن من المنتجات المكررة باعتبار المغرب آخر بلد شُحنت منه، وهي كامل الكمية الأوروبية المسجلة من المغرب لذلك الشهر. ويتوزع الرقم على نحو 36 ألف طن من ديزل الطرق، و17 ألف طن من الغازوال المخصص للتدفئة واستعمالات أخرى، ونحو 4.6 آلاف طن من الفيول.
ولم تُسجّل أي دولة أوروبية كمية بنزين مشحونة من المغرب ضمن البيانات المنشورة لذلك الشهر، مع ضرورة التنبيه إلى أن «غير مبلغ عنه» لا يعني إحصائياً بالضرورة صفراً.
الدقة هنا أساسية، منهجية إحصاءات الطاقة الأوروبية تميز بين النفط الخام والمنتجات المكررة: النفط الخام يسجل بحسب بلد المنشأ النهائي، بينما المنتجات المكررة يمكن أن تسجل بحسب بلد آخر إرسال أو شحن، ما يعني أن ظهور المغرب في هذه البيانات يمكن أن يعكس وظيفة تجارية أو لوجستية أو تخزينية وليس منشأ التكرير نفسه.
وفي يونيو لم تسجل أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي استيراد نفط خام من المغرب.
وهنا يبدأ السؤال الذي يحتاج إلى جواب من وزارة الانتقال الطاقي وإدارة الجمارك والسلطات المكلفة بتتبع السوق: ما المنشأ السابق لهذه المنتجات قبل شحنها من المغرب؟ عبر أي موانئ مرت؟ أين جرى تخزينها إن كانت قد خُزنت داخل المملكة؟ هل دخلت التراب الجمركي الوطني أم ظلت تحت نظام جمركي خاص أو في عمليات عبور وإعادة شحن؟ وما أسماء الشركات التي تولت استيرادها أو تخزينها أو إعادة تصديرها؟
هذه الأسئلة لا تحمل اتهاماً لأي شركة، لكنها أسئلة قابلة للإجابة بأرقام ووثائق، خصوصاً أن السوق الداخلية تعيش في الوقت نفسه ارتفاعاً حاداً في الأسعار.
في فاتح أكتوبر 2026 ارتفع متوسط سعر الغازوال بنحو 80 سنتيماً للتر ليصل في عدد من المحطات إلى حوالي 16.10 درهماً، بعدما كان في حدود 15.30 درهماً منتصف شتنبر، بينما ارتفع البنزين بنحو 39 سنتيماً ليصل إلى قرابة 15.60 درهماً.
ومنذ بداية يوليوز ارتفع الغازوال من نحو 12.61 درهماً إلى 16.10 دراهم، أي بزيادة تقارب 3.49 دراهم للتر في نحو ثلاثة أشهر، مع اختلاف الأسعار بشكل طفيف بين المدن وشركات التوزيع.
لا يمكن فصل هذه الزيادات عن الأزمة الدولية، اضطراب إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط أثّر بصورة كبيرة في أسواق الخام والمنتجات المكررة، ودفع وكالة الطاقة الدولية في مارس إلى تنفيذ أكبر عملية جماعية في تاريخها لإتاحة احتياطيات نفطية للأسواق، بعد اضطرابات وصفتها الوكالة بأنها الأكبر في تاريخ سوق النفط العالمية.
لكن وجود عامل دولي لا يلغي الأسئلة المغربية.
في 30 شتنبر، أي عشية الزيادة الجديدة في الأسعار، ترأس عزيز أخنوش اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع تداعيات التوترات الجيوسياسية على الاقتصاد الوطني، في مرحلة تصريف الأعمال في انتظار تشكيل الحكومة الجديدة. الاجتماع انتهى إلى مواصلة صرف الدعم المباشر والاستثنائي لمهنيي نقل الأشخاص والبضائع، على أن تتلاءم قيمته مع تطور أسعار المحروقات.
كما أعلنت اللجنة أن مخزون الغازوال وغاز البوطان يغطي ما بين 40 و60 يوماً من الاستهلاك.
هنا يصبح السؤال المالي مباشراً: عندما ترتفع الأسعار عند المضخة، ويتدخل المال العام لتعويض جزء من أثر الارتفاع على قطاع النقل، كم تكلف الدولة فعلياً هذه الآلية؟ وما حجم الدعم المصروف منذ إعادة تفعيله؟ وما عدد المستفيدين؟ وهل تنشر الحكومة بصورة دورية الكلفة الإجمالية التي يتحملها المال العام مقابل تطور أسعار البيع وهوامش الفاعلين في السوق؟
ثم يأتي سؤال المخزون.
وكالة الطاقة الدولية تسجل، في قاعدة سياساتها المحدثة في 11 مارس 2026، أن القانون المغربي يلزم شركات النفط بالاحتفاظ بمخزون أمان يعادل 60 يوماً من الاستهلاك بالنسبة إلى المنتجات النفطية و30 يوماً بالنسبة إلى النفط الخام.
الحكومة تقول إن مخزون الغازوال وغاز البوطان المتوفر يغطي ما بين 40 و60 يوماً.
هذا الرقم وحده لا يسمح بالقول إن هناك خرقاً قانونياً، لأن الإعلان لم يفصل وضع كل منتج وكل شركة وطريقة احتساب الالتزام.
لكنه يفرض سؤالاً بسيطاً: لماذا لا تنشر السلطات جدول المخزون شركة بشركة ومادة بمادة، أو على الأقل بيانات مجمعة توضح نسبة احترام الالتزام القانوني داخل السوق؟
إذا كان الالتزام القانوني هو 60 يوماً للمنتجات النفطية، فما الذي يعنيه عملياً الإعلان عن نطاق يبدأ من 40 يوماً؟ أي منتج يقع عند 40 وأيهما عند 60؟ وهل يتعلق الرقم بالمخزون التجاري الإجمالي أم بالمخزون الذي يمكن احتسابه قانونياً ضمن مخزون الأمان؟ وما الكميات غير القابلة للتصرف لأنها مرتبطة بعقود أو بعمليات عبور وإعادة تصدير؟
وهنا تعود الـ58 ألف طن المسجلة لدى إسبانيا إلى قلب النقاش.
هل كانت هذه الكميات موجودة فعلياً داخل منشآت تخزين مغربية؟ أم أن جزءاً منها مر في عمليات عبور أو إعادة شحن دون دخول السوق الوطنية؟ وإذا كانت قد خزنت داخل المملكة، فهل تدخل عند احتساب المخزون الوطني أم تستبعد لأنها مملوكة للتصدير أو العبور؟ وهل رقم «40 إلى 60 يوماً» الذي أعلنته الحكومة مبني على صافي الكميات المتاحة للاستهلاك الداخلي فقط أم يشمل مخزونات تجارية ذات وجهة خارجية؟
هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية، الفرق بين مخزون مملوك للسوق الوطنية، ومخزون تحت نظام جمركي، ومنتجات عابرة أو معدة لإعادة التصدير يمكن أن يغير جذرياً قراءة رقم أيام التغطية.
أهمية السؤال تظهر أيضاً من حجم البنية التخزينية الخاصة في المملكة.
شركة Afriquia SMDC تقول على موقعها الرسمي إنها تتوفر على طاقة تخزين إجمالية تقدر بنحو 980 ألف متر مكعب، بينها 508 آلاف متر مكعب في طنجة المتوسط وحده، وتصف نفسها بأنها تتوفر على أكبر قدرة تخزينية بالمغرب.
كما تؤكد أن مستودع طنجة المتوسط دخل الخدمة سنة 2011 وأن أنشطتها تمتد من الاستيراد واللوجستيك إلى التوزيع.
لا يوجد في بيانات Eurostat المنشورة ما يسمح بربط الـ58 ألف طن بـAfriquia SMDC أو بأي شركة مغربية بعينها، وأي ادعاء من هذا النوع يحتاج وثائق إضافية.
لكن هذه الحقيقة نفسها تقود إلى السؤال الذي يفترض أن تحسمه السلطات بالبيانات: من هم الفاعلون الذين نفذوا عمليات الاستيراد أو التخزين أو إعادة الشحن التي انتهت بوصول هذه الكميات إلى إسبانيا؟
السؤال يصبح أكثر حساسية مؤسساتياً لأن Forbes Middle East تصف عزيز أخنوش في تصنيفها لسنة 2026 بأنه صاحب الحصة الأكبر في Akwa Group، وهي مجموعة لديها مصالح معلنة في قطاعات البترول والغاز والكيماويات.
هذه الملكية لا تثبت، في حد ذاتها، أي تأثير على الأسعار أو المخزون أو عمليات إعادة التصدير، ولا توجد في البيانات المتاحة أدلة تسمح بالقول إن الشركات المرتبطة بالمجموعة كانت وراء الـ58 ألف طن المسجلة في إسبانيا.
لكنها تجعل الشفافية المؤسساتية ضرورة لا ترفاً.
عندما يترأس مسؤول حكومي اجتماعاً يقرر استمرار دعم قطاع النقل من المال العام ويتابع مستويات المخزون في سوق توجد فيها مصالح تجارية معلنة مرتبطة به، يصبح من المشروع معرفة قواعد تدبير تضارب المصالح المطبقة عملياً: هل توجد آليات للتنحي عن القرارات التي قد تمس قطاعات مرتبطة بمصالح تجارية؟ من يتخذ القرارات التقنية المتعلقة بالمخزون والدعم؟ ومن يراقب احترام الالتزامات؟ وهل تنشر محاضر أو معايير تسمح للرأي العام بالتأكد من الفصل بين القرار العمومي والمصلحة التجارية؟
المطلوب هنا ليس افتراض تضارب ثبت وقوعه، بل معرفة كيف تمنع الدولة وقوعه أصلاً وكيف تثبت ذلك للرأي العام.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن المغرب لا يملك حالياً قدرة محلية عاملة لتكرير النفط الخام بعد توقف مصفاة «سامير» سنة 2015، وهو ما جعله يعتمد على استيراد الوقود لتغطية حاجيات السوق.
وفي أبريل 2026، نقلت رويترز عن وزارة الانتقال الطاقي أن مخزون الديزل كان يغطي 51 يوماً والبنزين 55 يوماً، في سياق أزمة طاقة دولية رفعت كلفة الواردات.
بعد ستة أشهر تقريباً، ترتفع الأسعار مجدداً، يعود الدعم العمومي للنقل، تعلن الحكومة نطاقاً يتراوح بين 40 و60 يوماً لمخزون الغازوال والبوتان، وفي المقابل تظهر في الإحصاءات الأوروبية 58 ألف طن من المنتجات المكررة وصلت إسبانيا بعد أن كان المغرب آخر بلد شُحنت منه.
لا توجد هنا «فضيحة» تثبتها الأرقام وحدها، ولا تناقض اقتصادي يمنع بلداً مستورداً من أن يكون في الوقت نفسه منصة للتخزين والتجارة وإعادة التصدير.
لكن توجد فجوة واضحة في المعلومات المنشورة.
ما تحتاجه السوق اليوم ليس بلاغاً عاماً يقول إن التموين «عادي»، بل أرقاماً تسمح بفهم ما يجري: حجم الواردات حسب كل منتج، المخزون الحقيقي القابل للاستهلاك محلياً، الكميات العابرة أو المعدة لإعادة التصدير، الصادرات وإعادة الصادرات حسب الوجهة، أسماء الفاعلين أو على الأقل حصصهم الإجمالية، الموانئ المستخدمة، الأنظمة الجمركية المطبقة، وهوامش التخزين والتوزيع.
كما يحتاج الرأي العام إلى جواب عن سؤال أكثر مباشرة: إذا كان الغازوال يباع بأكثر من 16 درهماً، وإذا كانت الدولة تستخدم المال العام لحماية قطاع النقل من أثر هذه الأسعار، فمن يراقب في المقابل حلقات الاستيراد والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير، وبأي درجة من الشفافية؟
السؤال ليس: «لماذا يصدر المغرب النفط وهو لا يملكه؟».
السؤال الأدق هو: ماذا يحدث للمحروقات منذ لحظة دخولها أو عبورها الموانئ والمنشآت المغربية إلى لحظة بيعها للمواطن أو مغادرتها من جديد نحو سوق خارجية؟
وكم من الكميات التي تمر عبر المغرب يبقى فعلياً للسوق الوطنية، وكم يغادر؟
ومن يملك هذه الكميات؟
ومن يخزنها؟
ومن يعيد شحنها؟
وهل تحتسب ضمن مخزون الأمان الذي تطمئن الحكومة المواطنين بوجوده؟
ثم، في سوق يدعم فيها المال العام قطاع النقل بينما ترتفع فاتورة المواطن عند المضخة، لماذا لا تنشر الدولة هذه البيانات بصورة دورية ومفتوحة؟
58 ألف طن لا تثبت وحدها مخالفة، لكنها تكشف فراغاً معلوماتياً كبيراً في سوق تمس يومياً جيوب ملايين المغاربة. وبين الغازوال الذي تجاوز 16 درهماً، والدعم الممول من المال العام، ومخزون تعلن الحكومة أنه يغطي بين 40 و60 يوماً، تبقى الأرقام الأهم غائبة عن الرأي العام: من يستورد؟ من يخزن؟ من يعيد الشحن؟ وكم يبقى فعلياً للسوق الوطنية التي تؤدي اليوم ثمناً يتجاوز 16 درهماً للتر؟
