بقلم: الباز عبدالإله
ثمانية مليارات و460 مليون درهم تقريباً تمثل الفارق السنوي في سحوبات التمويلات الخارجية بين سنتي 2024 و2025. غير أن الرقم، على ضخامته ورغم دلالته الحاسبية، ليس هو الجزء الأكثر إثارة للتساؤل في التقرير الرسمي الأخير الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية؛ فالمساحة الأكثر إحراجاً تبدأ حين تعترف مديرية الميزانية ذاتها بأن أحد أسباب هذا التراجع يعود إلى «تباطؤ تنفيذ بعض المشاريع والبرامج»، دون أن ترفق هذا الإقرار بأسماء المشاريع المعنية، أو الإدارات المشرفة عليها، أو الحجم الذي ساهم به هذا التباطؤ في الانخفاض المسجل.
التقرير، المنشور رسمياً بتاريخ 2 أكتوبر 2026 تحت عنوان «تقرير نشاط مديرية الميزانية لسنة 2025»، يكشف أن السحوبات المرتبطة بالتمويلات الخارجية بلغت نحو 20.37 مليار درهم خلال 2025، مقابل 28.83 مليار درهم في 2024، بانخفاض يناهز 29%.
ولا يعني هذا الفارق، من الناحية المنهجية، أن 8.46 مليارات درهم «ضاعت» أو جرى هدرها، لأن التقرير يشير أيضاً إلى عامل آخر يتمثل في انتهاء دورة بعض العمليات الأخرى.
لكن هذا التمييز نفسه يحول الغموض الإداري إلى سؤال مساءلة مشروع: إذا كانت الإدارة قد استطاعت تشخيص وجود «تباطؤ في التنفيذ»، فما المشاريع التي تباطأ تنفيذها فعلياً؟ وما القطاعات المعنية؟ وما أسباب التأخر؟ وكم ساهم كل مشروع في تراجع السحوبات؟
السؤال يصبح أكثر إلحاحاً لأن التقرير يسجل، في المقابل، توقيع 23 اتفاقاً جديداً للقروض والهبات بقيمة إجمالية تبلغ نحو 37.34 مليار درهم.
صحيح أن الالتزامات الجديدة والسحوبات الفعلية لا تخص بالضرورة العمليات نفسها ولا السنوات نفسها، ولا يجوز تحويل المقارنة بين الرقمين إلى «نسبة تنفيذ».
غير أن تراكم التزامات تمويلية جديدة بالتوازي مع إقرار رسمي بتباطؤ بعض البرامج القائمة يفتح سؤالاً جدياً حول قدرة الأجهزة التنفيذية على تحويل التمويلات المتاحة إلى مشاريع وخدمات منجزة ضمن الآجال المحددة.
الحوكمة المالية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم التمويلات المعبأة أو الاتفاقات الموقعة، بل كذلك بقدرة الإدارات على تنفيذ المشاريع في آجالها، وسحب التمويلات وفق وتيرة تتناسب مع تقدم الإنجاز، ثم تفسير أي تأخر أمام مؤسسات الرقابة والرأي العام.
المطلوب هنا ليس إطلاق اتهامات عشوائية ولا تحميل جميع المشاريع مسؤولية التراجع، بل نشر معطيات المتابعة التي تسمح بفهم ما وقع فعلياً: اسم المشروع، الجهة المشرفة، قيمة التمويل المتاح، المبلغ المسحوب، نسبة الإنجاز، الأجل الأصلي، الأجل المعدل، وأسباب كل تأخير.
فخلف كل مشروع متأخر أو سحب متباطئ قد توجد مدرسة أو مستشفى أو طريق أو برنامج اجتماعي أو إصلاح مؤسساتي ينتظر المواطن أثره.
وإبقاء التباطؤ في صيغة إدارية عامة، دون تسمية المشاريع والجهات المعنية، يطرح سؤالاً جدياً حول مقتضيات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وحق الرأي العام في معرفة مصير المشاريع الممولة بالقروض والهبات الخارجية.
المالية قالت إن هناك تباطؤاً، أما ما لم تقله بعد فهو الأهم: من تأخر؟ في أي مشروع؟ ولماذا؟ وكم كلّف ذلك من حيث الزمن وتأخر الاستفادة ووتيرة تنفيذ البرامج؟
