بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن حفل 30 ماي 2022 في شالة بالرباط مجرد مناسبة إعلامية عابرة. شبكة i24NEWS، التي انطلقت من إسرائيل، أعلنت دخولها إلى المغرب، وتحدث مديرها العام فرانك ملول عن فتح مكتبين واستوديوهين في الرباط والدار البيضاء، في خطوة جعلتها أول شبكة إعلامية مقرها إسرائيل تعلن حضوراً مهنياً بهذا الشكل داخل المملكة.
بعد أكثر من أربع سنوات، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت i24NEWS قد دخلت المغرب أم لا، فذلك معلن وموثق. السؤال الأكثر دقة هو: بأي إطار قانوني وتجاري وتشغيلي دخلت؟ ومن كان يدير مكتبَي الرباط والدار البيضاء ويوقّع عقود العاملين والكراء والإنتاج؟ وهل تعلق الأمر بمكتبَي مراسلة وإنتاج تابعين لكيان أجنبي، أم ببنية سمعية بصرية محلية ذات وضع قانوني مختلف؟
الحكومة نفسها دخلت على خط النقاش بعد أيام قليلة من الافتتاح. ففي 2 يونيو 2022، قال الناطق الرسمي باسم الحكومة آنذاك مصطفى بايتاس إن تنظيم نشاط افتتاح مقر i24NEWS جرى «في إطار الضوابط المعمول بها».
هذا التصريح مهم، لكنه لا يغلق السؤال، بل يجعله أكثر تحديداً: ما هي تلك «الضوابط» التي تحدثت عنها الحكومة؟
هل تعلق الأمر باعتماد مراسلين أجانب؟ أم بإنشاء مكتب أو تمثيلية؟ أم بتراخيص تصوير وإنتاج؟ أم بإطار قانوني آخر سمح للشبكة بفتح مكتبين واستوديوهين في الرباط والدار البيضاء؟
المفارقة الأولى تظهر في التغطية الإسرائيلية نفسها. وكالة JNS كتبت يوم 31 ماي 2022 أن i24NEWS ستفتح «مكاتب مع استوديوهات بث» في الرباط والدار البيضاء. الخبر نفسه، عندما انتقل إلى تجربة الشبكة في الإمارات، أشار بوضوح إلى حصولها على رخصة هناك سنة 2021.
المصدر تحدث، إذن، عن «رخصة» في الحالة الإماراتية، بينما اكتفى في الحالة المغربية بالحديث عن مكاتب واستوديوهات.
صحيفة Israel Hayom أكدت بدورها، في فاتح يونيو 2022، أن الشبكة أطلقت عملياتها في المغرب وأنها ستنشئ مكتبين في الرباط والدار البيضاء، لكنها لم تذكر في خبرها اسم شركة مغربية حاملة للنشاط، ولا رقم ترخيص سمعي بصري، ولا الجهة القانونية التي ستتولى تشغيل المكتبين داخل المملكة.
هذا الفرق لا يعني في حد ذاته وجود أي مخالفة، مكتب قناة أجنبية للمراسلة أو الإنتاج لا يوجد بالضرورة في الوضع القانوني نفسه لقناة تلفزيونية مغربية تشغل خدمة سمعية بصرية وتبثها من داخل التراب الوطني.
لكنه يفتح سؤالاً مشروعاً: ما الوصف القانوني الذي اعتُمد لنشاط i24NEWS بالمغرب؟
القانون المغربي نفسه يوفر أكثر من صيغة يمكن أن تعمل من خلالها مؤسسة إعلامية أجنبية.
فالمادة 26 من القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين تعتبر الصحافي المهني المعتمد مراسلاً لمؤسسة صحافية أو وكالة أنباء أو هيئة إذاعية أو تلفزيونية يوجد مقرها الرئيسي بالخارج، كما تسمح لهذه المؤسسات بإنشاء مكاتب أو تمثيليات في المغرب، وفق التشريع المتعلق بالشركات، لتنظيم عمل مراسليها.
وزارة الشباب والثقافة والتواصل تضع بدورها مسطرة لاعتماد مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية، تشمل طلباً صادراً عن المؤسسة الإعلامية ووثائق مرتبطة بالعلاقة المهنية والأجر والصفة الصحافية.
أي أن وجود قناة أجنبية في المغرب لا يفترض، في جميع الحالات، إنشاء شركة تلفزيونية مغربية تحمل اسم القناة.
المساطر الرسمية الخاصة بالتصوير لفائدة القنوات التلفزيونية الأجنبية تكشف بدورها عن صيغة أخرى ممكنة، تسمح لشركة إنتاج بإنجاز عمليات تصوير لفائدة قناة أجنبية بناء على رسالة تكليف صادرة عنها.
هذا النموذج يسمح، من حيث المبدأ، بالفصل بين المؤسسة الإعلامية الأجنبية وبين الشركة المكلفة بتوفير جزء من خدمات الإنتاج أو التصوير أو اللوجستيك داخل المغرب.
هذه الخلفية مهمة، لأنها تمنع اختزال القضية في سؤال بسيط من قبيل: لماذا لم تؤسس i24NEWS شركة مغربية تحمل اسمها؟
السؤال الأدق هو: أي صيغة استعملتها الشبكة فعلاً؟
هل أنشأت مكتباً أو تمثيلية لمؤسسة إعلامية أجنبية وفق ما يسمح به القانون؟ وهل كان الصحافيون العاملون معها معتمدين كمراسلي وسيلة إعلام أجنبية لدى قطاع التواصل؟ وهل استعانت بشركة إنتاج لتنفيذ التصوير أو توفير جزء من البنية التقنية واللوجستيكية؟ أم جُمعت أكثر من صيغة في الوقت نفسه؟
ثم أين تظهر الوثائق التي تسمح بحسم واحد من هذه الاحتمالات؟
القانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري يفتح من جهته مساراً قانونياً مختلفاً عندما يتعلق الأمر بإنشاء أو استغلال شبكات لبث خدمات الاتصال السمعي البصري.
فالمادة 13 من القانون تخضع إنشاء و/أو استغلال شبكات لبث خدمات الاتصال السمعي البصري لنظام الرخصة، بينما تحدد المادة 18 شروط المترشح للحصول عليها، ومن بينها أن يكون شركة مساهمة خاضعة للقانون المغربي وأن تكون الأسهم الممثلة لرأسمالها اسمية، إلى جانب شروط أخرى مرتبطة بالمساهمين والخبرة واستقرار الملكية.
هنا يصبح السؤال أكثر دقة من مجرد الحديث عن «استوديوهات بث».
هل كان نشاط i24NEWS في الرباط والدار البيضاء يدخل أصلاً ضمن نشاط يستوجب رخصة لإنشاء أو استغلال شبكة لبث خدمة سمعية بصرية من داخل المغرب؟
أم أن المكتبين كانا مجرد بنيتين صحافيتين وإنتاجيتين تنتجان الصور والحوارات والتقارير، ثم ترسلان المحتوى إلى مركز بث موجود خارج المملكة؟
إذا كان الاحتمال الثاني هو الصحيح، فما الوثيقة أو الوضعية القانونية التي كانت تؤطر هذين المكتبين؟ ومن كان المشغّل القانوني للصحافيين والتقنيين العاملين داخلهما؟
البحث في البنية القانونية الدولية للقناة يقدم جزءاً آخر من الصورة.
وثائق وسجلات منشورة في لوكسمبورغ تكشف وجود كيان يحمل اسم i24news S.à r.l.، بينما تكشف قائمة الشركات التابعة المودعة لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC عن وجود i24 News France في فرنسا، وi24 News S.a.r.l. في لوكسمبورغ، وMiddle East News في إسرائيل، إلى جانب كيانات أمريكية مرتبطة بالشبكة.
غير أن القائمة المنشورة لا يظهر فيها كيان باسم i24NEWS Morocco.
هذه الملاحظة لا تصلح وحدها دليلاً على غياب إطار قانوني محلي.
وثائق SEC ليست بديلاً عن السجل التجاري المغربي، كما أن القانون المغربي يسمح للمؤسسات الإعلامية الأجنبية بإنشاء مكاتب أو تمثيليات، ويمكن كذلك الاستعانة بمتعاقدين وشركات إنتاج لا تحمل اسم المؤسسة الإعلامية.
لكنها تعيد السؤال إلى نقطة البداية: أي واحدة من هذه الصيغ استُعملت فعلياً بالنسبة إلى i24NEWS؟
أول خيط تجاري موثق يقود إلى شركة MediaRep المغربية.
بتاريخ 16 مارس 2022، أي قبل افتتاح مكتبَي الرباط والدار البيضاء بنحو شهرين ونصف، نُشرت معطيات تفيد بأن i24NEWS بدأت تسويق خدماتها الإشهارية داخل المغرب بعد توقيع اتفاق وكالة إعلانية مع MediaRep المغربية.
المعلومة مهمة، لأنها تثبت وجود علاقة تجارية محلية للقناة قبل الإعلان الرسمي عن المكتبين.
لكنها لا تثبت أن MediaRep كانت صاحبة المكتبين، ولا أنها كانت مشغلة الصحافيين والتقنيين، ولا أنها كانت حاملة لأي ترخيص سمعي بصري.
الوثائق المفتوحة المتاحة لا تسمح بالقفز إلى أي واحد من هذه الاستنتاجات.
السؤال يصبح، إذن: أين كان ينتهي دور MediaRep باعتبارها وكالة إعلانية، وأين يبدأ الكيان المسؤول قانونياً عن البنية الصحافية والإنتاجية للقناة؟
تحقيق نشرته Africa Intelligence يوم 6 يونيو 2022، أي بعد أسبوع تقريباً من حفل الرباط، أضاف عنصراً آخر يستحق التوقف.
المجلة الفرنسية المتخصصة قالت إن الاحتفال بوصول قناة باتريك دراهي إلى المغرب جمع شخصيات من دوائر الأعمال والنفوذ، لكنها أشارت في المقابل إلى أن عمليات i24NEWS داخل المغرب ظلت، آنذاك، محدودة الحجم.
الفرق بين ضخامة حفل الإعلان ومحدودية النشاط الفعلي يعيد بدوره السؤال إلى طبيعة الهيكلة التي اختارتها القناة.
هل كان مكتب الرباط مجرد غرفة تحرير صغيرة مرتبطة مباشرة بالشركة الأجنبية؟ وهل كان العاملون معتمدين كمراسلي وسيلة إعلام أجنبية؟ وهل استُخدمت شركة إنتاج لتوفير الجانب التقني أو اللوجستيكي؟ ومن كان يؤدي الأجور والاشتراكات الاجتماعية ويوقّع عقود الكراء والتجهيز؟
ثم هل كانت المواد المنتجة في المغرب تُرسل إلى مركز بث بالخارج، بما يجعل نشاط المكتبين أقرب إلى المراسلة والإنتاج الصحافي منه إلى تشغيل خدمة تلفزيونية محلية؟
حتى مصطلح «استوديوهات بث»، الذي استعملته بعض المصادر الإسرائيلية، يحتاج إلى تحديد تقني وقانوني. فالاستوديو قد يكون فضاءً لإنتاج الصور والحوارات والبرامج وإرسالها إلى مركز بث بالخارج، ولا يعني بالضرورة أن القناة كانت تشغل شبكة بث تلفزيوني من داخل المغرب.
هذا التفصيل أساسي، لكنه لم يظهر بوضوح في التغطيات التي رافقت حفل الافتتاح.
ولا يتعلق الأمر بالطعن في حق وسيلة إعلام أجنبية في فتح مكتب بالمغرب، كما لا تسمح المعطيات المتوفرة بالقول إن i24NEWS عملت دون ترخيص أو خارج القانون.
الحكومة نفسها قالت سنة 2022 إن نشاط الافتتاح تم «في إطار الضوابط المعمول بها»، والتشريع المغربي يوفر بالفعل مسارات مختلفة لعمل الإعلام الأجنبي، من اعتماد المراسلين إلى المكاتب والتمثيليات، مروراً بالتصوير والعمل بواسطة شركات إنتاج.
القضية، إذن، ليست افتراض غياب إطار قانوني.
القضية هي تحديد أي إطار استُعمل فعلاً.
شبكة إعلامية إسرائيلية أعلنت من الرباط فتح مكتبين واستوديوهات، ودخلت قبل ذلك إلى سوق الإعلانات المغربية عبر اتفاق مع شركة محلية، بينما أكدت الحكومة أن الافتتاح جرى وفق الضوابط المعمول بها.
بعد أكثر من أربع سنوات، يصبح من الطبيعي طلب أجوبة موثقة عن أسئلة محددة: هل كان هناك مكتب أو تمثيلية مسجلة؟ من كان الممثل القانوني لها؟ هل كان الصحافيون معتمدين لدى قطاع التواصل؟ هل استُخدمت شركة إنتاج لتنفيذ النشاط المحلي؟ وهل اقتصرت علاقة MediaRep على بيع الإعلانات؟
ثم من كان يتحمل المسؤوليات القانونية والمالية المرتبطة بالطواقم والمقرات والتجهيزات؟
وسؤال آخر لا يقل أهمية: ما الذي بقي اليوم من المكتبين اللذين أُعلن عنهما بحفل كبير في ماي 2022؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى روايات جاهزة ولا إلى اتهامات. تحتاج فقط إلى الوثائق القادرة على حسمها: اسم المكتب أو التمثيلية إن وُجدا، بيانات التسجيل، وضع المراسلين المعتمدين آنذاك، طبيعة التراخيص المستعملة، الشركة المكلفة بالإنتاج إن كانت موجودة، والجهة التي كانت تشغّل الطواقم الصحافية والتقنية.
المؤكد، إلى حدود الوثائق المتاحة، أن i24NEWS أعلنت دخولها إلى المغرب وفتح مكتبين واستوديوهات في الرباط والدار البيضاء، وأنها أقامت قبل ذلك علاقة تجارية محلية موثقة لتسويق الإعلانات عبر MediaRep، وأن الحكومة قالت بعد الافتتاح إن النشاط تم وفق «الضوابط المعمول بها».
أما الحلقة التي ما تزال تحتاج إلى وثيقة واضحة، فلم تعد هي: لماذا لا تظهر شركة باسم i24NEWS Morocco؟
السؤال أصبح أدق بكثير:
إذا كانت الحكومة تؤكد أن افتتاح القناة جرى وفق «الضوابط المعمول بها»، فما هو الإطار القانوني الذي استُعمل تحديداً، ومن كان يدير ويشغّل مكتبَي i24NEWS في الرباط والدار البيضاء فعلياً؟
