بقلم: الباز عبدالإله
رغم ارتفاع نسبة صرف تمويلات برنامج إصلاح الإدارة العمومية بالمغرب إلى 52 في المائة، كشف البنك الدولي عن استمرار عدم نشر ستة تقارير إحصائية حول أداء الصفقات العمومية، وتصنيف المؤشر المرتبط بها خارج المسار المتوقع، فيما امتد أفق إحالة مشروع قانون الإدارة الرقمية على البرلمان إلى يونيو 2027، وسط استعدادات لإعادة هيكلة البرنامج للمرة الثالثة.
وترد هذه المعطيات في تقرير أصدره البنك الدولي يوم 22 شتنبر 2026 بشأن تنفيذ برنامج «النجاعة» (ENNAJAA)، الحامل للمرجع P169330، والذي يتتبع مؤشرات الأداء إلى غاية 31 غشت من السنة نفسها.
ويبلغ إجمالي التمويلات الموافق عليها للبرنامج 700 مليون دولار، أي نحو 695 مليار سنتيم مغربي وفق سعر صرف 8 أكتوبر 2026.
وكان البنك الدولي قد وافق على قرض أول بقيمة 450 مليون دولار في دجنبر 2021، قبل إضافة 250 مليون دولار في يونيو 2024، لدعم إصلاحات المالية العمومية وتحسين الأداء الإداري والشفافية والتحول الرقمي.
غير أن تقدم صرف التمويلات لم يواكبه استكمال جميع النتائج المستهدفة، خصوصاً المتعلقة بنشر بيانات الصفقات العمومية والتأطير القانوني للإدارة الرقمية والنشر الاستباقي للمعلومات.
في ملف الطلبيات العمومية، سجل البنك الدولي تشغيل المرصد الوطني للطلبيات العمومية، لكنه أكد أن المؤشر الخاص بنشر ستة تقارير إحصائية حول أداء الصفقات لم يتحقق حتى نهاية غشت 2026.
والمثير في معطيات التتبع أن موعد التحقق المتوقع من هذه التقارير كان محدداً في نهاية 2025، قبل انتقاله إلى نهاية 2026، مع تصنيف المؤشر في التقييم الأخير ضمن النتائج التي تسير خارج المسار المتوقع.
وتكشف مقارنة تقارير شتنبر 2025 ومارس وشتنبر 2026 أن نموذج إعداد التقارير الستة جرى تطويره، لكن استكمال الوثائق وعرضها على المرصد للمراجعة ظل معلقاً.
ولا يحدد البنك الدولي أسباب التأخير بالتفصيل، أو ما إذا كانت مرتبطة بجمع البيانات من الإدارات والمؤسسات العمومية، أم بإعداد التقارير وتدقيقها، أم بإجراءات اعتمادها قبل النشر.
فما الذي أنجزه المرصد منذ تشغيله؟ وما الأسباب التي حالت دون إتاحة التقارير خلال الفترة التي كان متوقعاً استكمالها فيها؟
ورُصد لهذا المؤشر تمويل مرتبط بالنتائج قدره ستة ملايين دولار، يخضع صرفه للتحقق من إنجاز المتطلبات المحددة.
وتتجاوز ملاحظات البنك الدولي التقارير الستة إلى اعتماد معايير البيانات المفتوحة للتعاقدات العمومية (OCDS)، التي تهدف إلى تنظيم نشر المعلومات المرتبطة بمراحل إبرام الصفقات وتنفيذها.
ورغم اعتماد دراسة وخطة عمل لهذه المعايير في نونبر 2025، لم يكن التقرير التجريبي لتقييم تطبيقها قد نُشر عند إعداد التقييم.
ولا يشكل عدم نشر هذه الوثائق دليلاً على وجود مخالفات في صفقات بعينها، لكنه يحد من قدرة الباحثين والصحافيين وهيئات الرقابة على تقييم أداء منظومة الشراء العمومي اعتماداً على بيانات إحصائية منشورة ومنظمة.
وفي ملف التحول الرقمي، كشف تقرير شتنبر أن مشروع قانون الإدارة الرقمية، الذي سبق توجيهه إلى الأمانة العامة للحكومة في دجنبر 2025، ظل في مرحلة التشاور مع القطاعات الحكومية المعنية حتى نهاية غشت 2026.
وتمتد الجدولة الزمنية لاستكمال المرحلة الحكومية وإحالة المشروع على البرلمان إلى يونيو 2027، مع إشارة البنك الدولي إلى تأثير السياق الانتخابي على برمجة هذه المرحلة.
ويتعلق هذا التاريخ بالإحالة التشريعية، وليس بالمصادقة البرلمانية النهائية على القانون.
ويستهدف المشروع تأطير الخدمات الإدارية الرقمية وتبادل المعطيات بين المؤسسات، وهي مجالات شهدت بالفعل تقدماً تقنياً، وفق تقييم البنك الدولي، من خلال تشغيل المنصة الوطنية للتشغيل البيني واعتماد معايير وإجراءات لتبادل البيانات.
لكن هذا التقدم لم يكن مصحوباً باستكمال المؤشر التشريعي، الذي خُصص له تمويل مرتبط بالنتائج قدره ثمانية ملايين دولار.
ويستدعي استمرار المشاورات منذ دجنبر 2025 توضيح المقتضيات التي ما زالت قيد النقاش، وأسباب امتداد المسطرة إلى 2027، والضمانات الموضوعة لاستمرار الإصلاح في حال تغير التشكيلة الحكومية.
ويكشف التقرير استمرار مسطرة إعداد النص التنظيمي المتعلق بالنشر الاستباقي للمعلومات العمومية، في إطار تفعيل القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات.
فقد أُحيل مشروع النص على لجنة الحق في الحصول على المعلومات يوم 19 يناير 2026 لإبداء الرأي، بينما ظل جواب اللجنة منتظراً وفق الوضعية المسجلة في نهاية غشت، أي بعد مرور أكثر من سبعة أشهر.
ولا يوضح التقرير الأسباب التي حالت دون استكمال هذه المرحلة، أو طبيعة الملاحظات التي قد تكون موضوع دراسة قبل مواصلة المسطرة الحكومية.
ويهم النص تنظيم إتاحة المعلومات للعموم بصورة استباقية، دون انتظار تقديم طلبات فردية للحصول عليها، وهو ما يتيح الاطلاع على المعطيات الإدارية الضرورية لتقييم السياسات العمومية.
وخصص البرنامج عشرة ملايين دولار للمؤشر المرتبط باستكمال هذا الإطار التنظيمي.
وفي الملف نفسه، لم يكن البنك الدولي قد سجل تحقق هدف نشر 245 مجموعة بيانات ذات أولوية، مجانية ومحدثة وقابلة لإعادة الاستعمال، انطلاقاً من خط أساس يبلغ 145 مجموعة.
ويعتمد تحقيق المؤشر على استيفاء معايير الجودة والتحيين وتوفير البيانات الوصفية الأساسية، وليس على عدد الملفات المنشورة وحده.
وتكشف الوثيقة أن بوابة البيانات المفتوحة تلقت 26 طلباً عبر آلية التفاعل، دون توفر معطيات واضحة بشأن آجال الاستجابة.
وهنا يبرز سؤالان: كم مجموعة بيانات استوفت فعلياً المعايير المحددة؟ وكيف يمكن تقييم تجاوب البوابة مع المستعملين في غياب قياس منشور لمدة معالجة الطلبات؟
ويرتبط مؤشر نشر مجموعات البيانات بتمويل قدره عشرة ملايين دولار.
وعلى مستوى الرقابة المالية، كان تقرير البنك الدولي الصادر في مارس 2026 قد سجل ثلاث ملاحظات رصدتها بعثة المراجعة خلال يناير من السنة نفسها.
تعلقت الأولى بعدم انعقاد اجتماعات لجنة القيادة بالوتيرة المطلوبة، والثانية بعدم توفر بيانات تنفيذ الميزانية بصورة آنية بالنسبة لبعض النفقات، بينما ارتبطت الثالثة بغياب آلية مركزية أو جهة محددة لتتبع حالات الغش والفساد والإبلاغ عنها داخل البرنامج.
ولا تثبت هذه الملاحظات وقوع فساد أو اختلاس، كما لا تعني غياب أجهزة الرقابة والمحاسبة بالمغرب.
وفي المقابل، أوضح البنك الدولي أن تقارير الصفقات المرتبطة بالبرنامج لم ترصد حالات غش أو فساد، ولم تسجل إسناد عقود لشركات مشمولة بقرارات الاستبعاد.
وتبقى المسألة المتعلقة بغياب آلية مركزية للتتبع ملاحظة مؤسساتية تستدعي معرفة الإجراءات التصحيحية التي اتُّخذت بعد بعثة يناير، دون افتراض استمرار جميع النقائص المسجلة في مارس حتى شتنبر.
على المستوى المالي، ارتفعت نسبة الصرف التراكمي لتمويلات برنامج «النجاعة» إلى 52 في المائة في تقرير شتنبر 2026، بعدما كانت في حدود 44.7 في المائة خلال مارس من السنة نفسها.
وتبلغ المخصصات المرتبطة بأربعة مؤشرات لم تكن مكتملة عند التقييم الأخير 34 مليون دولار، موزعة بين ستة ملايين دولار للتقارير الإحصائية للصفقات، وثمانية ملايين دولار للمؤشر التشريعي للإدارة الرقمية، وعشرة ملايين دولار للنشر الاستباقي للمعلومات، وعشرة ملايين دولار لمجموعات البيانات المفتوحة.
ولا تعني هذه الأرقام أن المبالغ المذكورة صُرفت دون تحقيق النتائج، إذ يتعلق الأمر بمخصصات مشروطة بالإنجاز والتحقق، ما يفرض التمييز بينها وبين المبالغ المصروفة فعلياً.
وفي تطور آخر، أعلن البنك الدولي التحضير لإعادة هيكلة ثالثة للبرنامج قبل نهاية 2026، تتضمن مراجعة بعض المؤشرات المرتبطة بالصرف، وتعديل مؤشرات الاستثمار الجهوي، وإعادة تخصيص جزء من التمويل نحو المكونات التي تحقق أداء أفضل.
ويرتبط هذا التوجه بالانتقال إلى برامج التنمية الترابية المندمجة، والتغييرات القانونية والمؤسساتية المتعلقة بالوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع.
ولم يحدد التقرير القيمة النهائية للتمويلات التي قد تشملها إعادة التخصيص، ولا يعني الإعلان عن التحضير لإعادة الهيكلة أنها اعتمدت أو نُفذت بالفعل.
لكن مراجعة مؤشرات برنامج سبق تمويله بمئات الملايين من الدولارات تستدعي توضيح طبيعة الأهداف التي سيجري تعديلها، وأسباب ذلك، ومدى تأثير التغييرات على تقييم الالتزامات الأصلية.
وسجل البنك الدولي تقدماً في مكونات أخرى من البرنامج، بينها تحديث الإدارة الجبائية وتطوير أدوات تدبير المالية العمومية وتشغيل منصات رقمية، ما يجعل حصيلة «النجاعة» متفاوتة بين مؤشرات تحققت وأخرى ظلت قيد الإنجاز.
غير أن استمرار عدم نشر التقارير الستة للصفقات حتى نهاية غشت 2026، وامتداد أفق إحالة قانون الإدارة الرقمية على البرلمان إلى يونيو 2027، وانتظار استكمال النص التنظيمي للنشر الاستباقي، يضع الجهات الحكومية المعنية أمام مسؤولية تقديم حصيلة محينة.
وتتوجه الأسئلة إلى المؤسسات المكلفة بتنفيذ البرنامج، وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد والمالية، والخزينة العامة للمملكة في ما يتعلق بالطلبيات العمومية، والجهات الحكومية المكلفة بالتحول الرقمي والبيانات المفتوحة، كل بحسب اختصاصاته.
لماذا تغيرت المواعيد المتوقعة لنشر تقارير الصفقات؟ وما الذي يؤخر المسطرة التشريعية لقانون الإدارة الرقمية؟ وأين وصلت إجراءات النشر الاستباقي للمعلومات؟ وما حجم التمويلات التي صُرفت مقابل النتائج التي جرى التحقق من تحقيقها؟
ويضاف إلى ذلك سؤال إعادة الهيكلة الثالثة: أي مؤشرات ستُعدل، وكم من التمويل سيعاد تخصيصه، وكيف ستُقاس حصيلة البرنامج بعد هذه التغييرات؟
فالمساءلة عن برنامج تبلغ تمويلاته المعتمدة 700 مليون دولار لا تتوقف عند إعلان القروض ونسب الصرف، بل تتطلب نشر حصيلة دقيقة تحدد النتائج المحققة والمتأخرة، وأسباب تعديل المواعيد، والمبالغ التي صُرفت مقابل كل نتيجة ثبت إنجازها.
