بقلم: الباز عبدالإله
أعادت نتائج الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026، وما أعقبها من تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، ترتيب الواجهة السياسية للبلاد.
غير أن جزءاً لافتاً من التغطية الأجنبية لم يكتف بقراءة الأرقام والتحالفات أو متابعة انتقال قيادة الحكومة إلى زعيمة حزب الأصالة والمعاصرة، بل أعاد إلى الواجهة اسماً لا يوجد على اللوائح الانتخابية ولا داخل التشكيلة الحكومية: فؤاد عالي الهمة.
هذا الحضور المتكرر ليس جديداً تماماً، لكنه اكتسب بعد انتخابات شتنبر دلالة مختلفة.
فالإشارة إلى الهمة لم تعد تقتصر على التذكير بأنه كان وراء تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، بل أصبحت بعض الصحف الأجنبية تستحضره عند تحليل المسار الشخصي لفاطمة الزهراء المنصوري نفسها، وعند تفسير موقع حزبها داخل خريطة السلطة بعد وصوله إلى صدارة المشهد الانتخابي.
صحيفة «Le Monde» الفرنسية قدمت واحدة من أبرز هذه الإشارات يوم 29 شتنبر 2026، حين خصصت بروفايلاً للمنصوري عقب تعيينها رئيسة للحكومة.
الصحيفة عادت إلى سنة 2009، تاريخ انتخابها عمدة لمراكش، وذكرت أنها حملت آنذاك اللقب غير الرسمي «protégée de Fouad Ali El Himma»، أي «محميّة فؤاد عالي الهمة»، وقدمت الأخير باعتباره واحداً من أكثر مستشاري الملك نفوذاً.
الإشارة لم ترد في سياق أرشيفي عابر. «Le Monde» ربطت بين البدايات السياسية للمنصوري داخل مراكش، ثم صعودها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وبين الحزب الذي أسسه الهمة سنة 2008 قبل أن يغادره لاحقاً ويلتحق بالديوان الملكي.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
لماذا يعود اسم فؤاد عالي الهمة عند تقديم رئيسة حكومة وصلت إلى منصبها بعد مسار انتخابي وحزبي طويل؟ وهل يتعلق الأمر فقط بعبء تاريخ الحزب وظروف تأسيسه، أم أن الصحافة الأجنبية ما تزال تعتبر الهمة مفتاحاً لفهم تطور البام وقياداته؟
القراءة الإسبانية ذهبت أبعد من ذلك.
موقع «Escudo Digital» نشر يوم 2 أكتوبر 2026 تحليلاً للكاتب Ramón Cuerda Riva، وهو عسكري سابق وخبير في الشؤون الأمنية، حاول من خلاله تفسير تعيين المنصوري ضمن قراءة أوسع لموازين النفوذ داخل الدولة.
الكاتب تحدث، وفق تحليله الخاص، عن استعادة ما سماه «الفصيل المدني التقليدي لفؤاد عالي الهمة» جزءاً من وزنه، في مقابل ما اعتبره تمدداً لنفوذ الجناح الأمني، وقدم الهمة باعتباره أقوى مستشاري الملك وأحد المقربين منه منذ الطفولة.
هذه القراءة لا تستند إلى إعلان رسمي بوجود «فصائل» داخل الدولة، ولذلك تبقى تحليلاً منسوباً إلى صاحبها.
لكنها تطرح، في المقابل، سؤالاً لا يمكن تجاهله: لماذا يرى كاتب أجنبي أن فهم تعيين رئيسة حكومة منتخبة يمر عبر قراءة موقع مستشار ملكي لا يخوض الانتخابات ولا يتولى منصباً تنفيذياً؟
تكرار الاسم لا يقتصر على التحليلات الأكثر جرأة.
وكالة «Associated Press»، خلال تغطيتها لنتائج انتخابات 23 شتنبر التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة، عادت هي الأخرى إلى سنة 2008 لتعريف الحزب للقارئ الدولي، وذكرت أن مؤسسه هو فؤاد عالي الهمة، صديق طفولة الملك محمد السادس ومستشاره المقرب.
حتى «Le Monde»، قبل الاقتراع، كانت قد قدمت البام بالطريقة نفسها تقريباً، وربطت نشأته بفؤاد عالي الهمة الذي وصفته بـ«المستشار الرئيسي» للملك.
بعد الانتخابات أيضاً، عادت وسائل دولية أخرى إلى القصة نفسها: حزب تأسس حول شخصية قريبة من القصر، ثم تحول مع مرور السنوات إلى أحد أكبر الفاعلين الحزبيين في البلاد، قبل أن يصل سنة 2026 إلى قيادة الحكومة عبر فاطمة الزهراء المنصوري.
توالي هذه الإشارات يجعل المسألة أكبر من مجرد تعريف تاريخي بالحزب.
لو كان اسم الهمة جزءاً من الماضي السياسي للبام فقط، لكان من المنطقي أن يبهت حضوره تدريجياً مع تغير القيادات وتوالي المؤتمرات والانتخابات والتحالفات الحكومية.
لكن الذي حدث هو العكس تقريباً: كلما ارتفع وزن الحزب داخل مؤسسات الدولة، عاد اسم مؤسسه الأول إلى الواجهة في التغطية الأجنبية.
هذا ما حدث عند فوز الحزب.
وحدث مرة أخرى عند تعيين المنصوري.
وحدث أيضاً حين بدأت الصحافة الأجنبية تناقش حجم الاستقلال السياسي الذي يمكن أن تتمتع به الحكومة الجديدة داخل النظام السياسي المغربي.
صحيفة «The Times» البريطانية تناولت تعيين المنصوري ضمن هذه الزاوية الأوسع، وربطت صعودها بتاريخ حزب الأصالة والمعاصرة وقرب جذوره من دوائر السلطة، قبل أن تطرح مسألة هامش الحركة المتاح لرئيسة الحكومة الجديدة.
المسألة هنا لا تتعلق بإثبات فرضية جاهزة، بل بملاحظة نمط صحفي متكرر.
صحف من بلدان مختلفة، وبخلفيات تحريرية مختلفة، تعود إلى الشخص نفسه كلما حاولت تفسير موقع حزب الأصالة والمعاصرة داخل النظام السياسي المغربي.
وهذا يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه ثقيل الدلالة:
هل فشل البام، بعد 18 سنة من تأسيسه، في الانفصال دولياً عن صورة الرجل الذي كان وراء ولادته؟
أم أن حضور الهمة داخل دوائر القرار يجعل الصحافة الأجنبية تعتبر أن تجاهل اسمه سيترك جزءاً من الصورة ناقصاً؟
السؤال يزداد حساسية عندما نضعه أمام النص الدستوري.
الدستور المغربي ينص بوضوح على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وأن رئيس الحكومة يقود العمل الحكومي ويمارس السلطة التنظيمية، بينما لا يمنح للمستشار الملكي اختصاصاً تنفيذياً مستقلاً مماثلاً لاختصاصات الحكومة.
من الناحية القانونية، المسؤوليات محددة.
لكن من الناحية السياسية والإعلامية، تستمر الصحافة الأجنبية في البحث عن مراكز تأثير تتجاوز الواجهة الحكومية.
وهنا تظهر الفجوة بين النص وبين الصورة التي تُرسم للمغرب خارجياً.
إذا كانت الحكومة هي صاحبة السلطة التنفيذية، فلماذا لا تكتفي الصحافة الأجنبية بأسماء الوزراء ورئيسة الحكومة عند تحليل عملية صنع القرار؟
لماذا تعود باستمرار إلى أسماء موجودة خارج التنافس الانتخابي المباشر؟
ولماذا يحتل فؤاد عالي الهمة، تحديداً، هذا الموقع المتكرر داخل الرواية الأجنبية عن السلطة بالمغرب؟
هذا النقاش لا يبدأ سنة 2026.
خلال يوليوز الماضي، عاد اسم الهمة في سياق مختلف وأكثر حساسية، بعد توقيف الصحافي علي المرابط.
«Le Monde» نقلت عن المرابط أن التحقيق معه تناول مضامين كان قد تحدث فيها عن شخصيات بينها عبد اللطيف الحموشي وفؤاد عالي الهمة وفوزي لقجع، ضمن ما يصفه هو ببنية نفوذ موازية أو «دولة عميقة».
صحيفة «El País» الإسبانية نقلت بدورها هذه الأقوال.
المهم هنا أن هذه الادعاءات تظل منسوبة إلى المرابط ولا تشكل في ذاتها إثباتاً لوجود بنية سياسية موازية.
لكنها تضيف عنصراً آخر إلى الصورة: اسم الهمة لا يعود في الصحافة الأجنبية فقط عندما يكتب الصحافيون عن تاريخ البام، بل يظهر أيضاً عندما يُفتح النقاش حول مراكز النفوذ وطبيعة توزيع السلطة داخل المغرب.
وفي الجهة المقابلة، حاولت دراسة أكاديمية منشورة سنة 2026 تناول الموقع القانوني والسياسي للمستشار الملكي من زاوية أكثر هدوءاً، متخذة مسار فؤاد عالي الهمة حالة للدراسة.
الدراسة فرقت بين الاختصاص القانوني والنفوذ السياسي، وخلصت إلى أن قوة المستشار لا تعني بالضرورة امتلاكه صلاحيات تنفيذية مستقلة، وأن الأدلة التي تناولها الباحثان لا تسمح بالقول بوجود «حكومة ظل» بمفهوم قانوني مستقل.
هذه الخلاصة لا تغلق النقاش بقدر ما تدفعه نحو السؤال الأكثر دقة.
إذا لم تكن المسألة اختصاصاً دستورياً، فمن أين يأتي النفوذ الذي تتحدث عنه الصحافة الأجنبية؟
هل يتعلق الأمر بالقرب من مركز القرار؟
هل يرتبط بالثقة الملكية؟
هل هو امتداد لشبكات سياسية بنيت منذ مرحلة تأسيس البام؟
أم أن جزءاً من الإعلام الدولي ما زال أسير صورة تشكلت قبل سنوات ولم يعد يراجعها بما يكفي؟
الأسئلة كلها مشروعة، لكن الإجابة عنها تحتاج أكثر من توصيفات صحفية.
تحتاج إلى شفافية أكبر بشأن طرق صناعة القرار، وحدود أدوار المؤسسات الرسمية وغير المنتخبة، وطبيعة العلاقة بين المسؤولية السياسية والنفوذ الفعلي.
لأن جوهر المسألة لا يتعلق بفؤاد عالي الهمة وحده.
إنه يتعلق بالسؤال الذي يرافق كل نظام سياسي: من يملك القرار، ومن يتحمل مسؤوليته، ومن يخضع للمحاسبة عندما يتحول القرار إلى سياسة عمومية تؤثر في حياة المواطنين؟
انتخابات 2026 أعطت جواباً واضحاً عن سؤال من تصدر صناديق الاقتراع.
لكن الصحافة الأجنبية، بإصرارها على استدعاء اسم فؤاد عالي الهمة بعد كل محطة سياسية كبيرة، تعيد طرح سؤال آخر لم يغادر النقاش المغربي منذ سنوات:
إذا كان فؤاد عالي الهمة لا يترشح ولا يُنتخب ولا يرأس الحكومة، فلماذا يستمر اسمه في الظهور كلما حاولت الصحافة الدولية أن ترسم خريطة السلطة في المغرب؟
