بقلم: الباز عبدالإله
دخل التوسع المرتقب لأسطول الخطوط الملكية المغربية ضمن الفرص التجارية التي تتطلع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية «IAI» إلى الاستفادة منها، وفق ما كشفته صحيفة «كالكاليست» الإسرائيلية في تقرير نشرته يوم أمس الخميس 8 أكتوبر 2026، بالتزامن مع مشاركة الشركة في معرض مراكش للطيران، ما يعيد إلى الواجهة مذكرة تعاون صناعي وقعتها السلطات المغربية مع الشركة نفسها قبل أكثر من أربع سنوات، ويفتح أسئلة بشأن حصيلة المشاريع المعلنة ومدى انتقالها إلى مرحلة التنفيذ.
وبحسب التقرير الذي نشره موقع CTech التابع لصحيفة كالكاليست، فإن اهتمام الشركة الإسرائيلية بخدمات تحديث طائرات الركاب وتحويلها إلى طائرات شحن يستهدف، ضمن فرص تجارية أخرى، التوسع المنتظر لأسطول الخطوط الملكية المغربية، التي تنفذ برنامجاً لرفع عدد طائراتها إلى 200 طائرة بحلول سنة 2037.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية بالنظر إلى طبيعة الشركة المعنية، إذ لا تقتصر أنشطة «Israel Aerospace Industries» على صناعة الطائرات والخدمات الجوية المدنية، بل تشمل أيضاً تطوير وإنتاج منظومات تسليح متقدمة، من بينها صواريخ «LORA» والطائرات العسكرية المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، وهي منتجات تعرضها الشركة خلال معرض مراكش للطيران المنظم بين 7 و10 أكتوبر 2026.
ويعني ذلك أن شركة تنشط في الصناعات الدفاعية الإسرائيلية تسعى، وفق ما نقلته الصحافة الإسرائيلية، إلى الاستفادة تجارياً من النمو المرتقب لقطاع الطيران المدني المغربي، دون أن يشكل هذا الاهتمام في حد ذاته دليلاً على وجود عقد مع الناقل الوطني.
وتندرج هذه التحركات ضمن سوق مرشحة للتوسع، بعدما بلغ أسطول الخطوط الملكية المغربية 70 طائرة يوم 26 شتنبر 2026، مع الإعلان عن وصول طائرة إضافية مطلع أكتوبر، مقابل نحو 50 طائرة سنة 2021.
ويستهدف العقد البرنامج الموقع بين الدولة والخطوط الملكية المغربية في يوليوز 2023 رفع الأسطول إلى 200 طائرة بحلول سنة 2037، وهو ما يفتح احتياجات متزايدة في مجالات الصيانة والخدمات الهندسية وتجهيز الطائرات وتحديثها، إلى جانب عمليات اقتناء الطائرات الجديدة.
غير أن التقرير الإسرائيلي لا يقدم ما يثبت توقيع اتفاق بين «لارام» و«IAI»، كما لا يؤكد وجود مشروع لتحويل طائرات الركاب المغربية إلى طائرات شحن، إذ يتعلق الأمر بنشاط تجاري تعرض الشركة الإسرائيلية خدماتها فيه، دون إعلان موثق عن مفاوضات محددة مع الخطوط الملكية المغربية.
وتؤكد الشركة، في صفحتها الرسمية المخصصة لمعرض مراكش للطيران 2026، عرض قدراتها في تحويل طائرات الركاب إلى طائرات شحن، وتقديم خدمات الصيانة والإصلاح والعمرة للطائرات المدنية والعسكرية، إلى جانب منظومات دفاعية وجوية وفضائية.
كما تعلن سعيها إلى بناء شراكات طويلة الأمد وتطوير التعاون الصناعي المحلي وتبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا، دون تسمية الخطوط الملكية المغربية ضمن زبنائها أو شركائها في هذه الخدمات.
لكن اهتمام الشركة الإسرائيلية بالصناعة الجوية المغربية لا يبدأ من معرض مراكش الحالي، بل يعود إلى إطار تعاون رسمي جرى الإعلان عنه سنة 2022.
ففي 23 مارس من تلك السنة، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة المغربية، في بلاغ رسمي، توقيع مذكرة تفاهم في قطاع صناعة الطيران مع شركة «IAI»، خلال لقاء جمع وزير الصناعة والتجارة رياض مزور بأمير بيريتس، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس مجلس إدارة الشركة الإسرائيلية.
وشملت المذكرة من الجانب المغربي وزارة الصناعة والتجارة والوزارة المنتدبة المكلفة بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، فيما مثل الشركة الإسرائيلية رئيس مجلس إدارتها ومديرها العام آنذاك بوعاز ليفي.
ولم تقتصر المجالات المطروحة للتعاون على عناوين عامة، بل حدد البلاغ الحكومي فرصاً للاستثمار في الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتصنيع التجهيزات الداخلية لمقصورات الطائرات، وأجزاء المحركات والهياكل الجوية، فضلاً عن إحداث مركز للبحث والتطوير والهندسة وتنمية شبكة موردين محليين من خلال شراكات صناعية مع الشركة الإسرائيلية.
وكشف البلاغ أيضاً أن وفداً من «IAI» زار يوم 22 مارس 2022 القطب الصناعي للطيران بالنواصر، للاطلاع على قدرات الصناعة الجوية المغربية وإمكانات تطوير أنشطة صيانة الطائرات وتحويلها، إلى جانب زيارة معهد مهن الطيران.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة اليوم، لأن صيانة الطائرات وتحويلها، اللتين وردتا ضمن مجالات الاهتمام خلال زيارة 2022، تعودان إلى الواجهة في العرض التجاري الذي تقدمه الشركة خلال معرض مراكش، وفي التقرير الإسرائيلي الذي ربط أنشطتها بالتوسع المرتقب للخطوط الملكية المغربية.
غير أن مرور أكثر من أربع سنوات على توقيع المذكرة يطرح سؤالاً بشأن حصيلتها الفعلية، بعيداً عن مجالات التعاون والفرص الاستثمارية التي جرى الإعلان عنها آنذاك.
هل أُحدث مركز البحث والتطوير والهندسة الذي ورد ضمن فرص التعاون؟ وهل تحولت مشاريع تصنيع أجزاء الطائرات وتطوير الموردين المحليين إلى استثمارات قائمة؟ وما حجم فرص الشغل ونقل التكنولوجيا التي تحققت، إن وجدت؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع تسجيل اتفاق جديد ومعلن في السوق نفسها، بعدما وقعت الخطوط الملكية المغربية، يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، اتفاقية مع شركة «Boeing» الأمريكية لتحديث المقصورات الداخلية لسبع طائرات من طراز «787-8»، وفق ما أوردته ميدياس 24 في تغطيتها للاتفاق الموقع بمعرض مراكش.
ويشمل الاتفاق تحديث التجهيزات الداخلية للمقصورات وتحسين خدمات المسافرين، وهو نشاط يختلف تقنياً عن تحويل طائرات الركاب إلى طائرات شحن. لكنه يقدم مثالاً على اتفاق معلن ومحدد الأطراف والخدمات، في مقابل اهتمام تجاري إسرائيلي لم يثبت تحوله إلى تعاقد مع الناقل الوطني.
ويمتد التساؤل إلى الخطوط الملكية المغربية نفسها، لمعرفة ما إذا كانت قد تلقت عروضاً من شركة «IAI» أو أجرت معها اتصالات تجارية تتعلق بخدمات الصيانة أو التحويل أو الدعم الهندسي، وما طبيعة المعايير المعتمدة في اختيار الشركات المتعاقدة على هذه الخدمات.
وحتى 9 أكتوبر 2026، لم تقدم المصادر العامة التي جرت مراجعتها دليلاً موثقاً على توقيع عقد أو انطلاق مفاوضات تجارية بين الخطوط الملكية المغربية والشركة الإسرائيلية، كما لا تتضمن ما يثبت دخول «IAI» في رأسمال الناقل الوطني.
ويبقى الثابت هو اهتمام تجاري ربطته الصحافة الإسرائيلية بتوسع أسطول «لارام»، وعرض رسمي للخدمات تؤكده الشركة، ومذكرة تفاهم صناعية وقعتها السلطات المغربية معها في مارس 2022.
وبين هذه المعطيات، يعود سؤال الحصيلة إلى الواجهة: ماذا تحقق فعلياً من التعاون الصناعي المعلن مع الشركة الإسرائيلية منذ أكثر من أربع سنوات؟ وهل أنتج مشاريع واستثمارات وقدرات صناعية محلية، أم أن المجالات الواردة في المذكرة ما زالت تنتظر توضيحاً رسمياً بشأن مآلها؟
