أبقى مجلس الاتحاد الأوروبي، اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، المغرب ضمن البلدان التي لم تُغلق بعد التزاماتها المتعلقة بالشفافية الضريبية للشركات متعددة الجنسيات، بالتزامن مع استمرار تساؤلات بشأن حصيلة الإصلاحات التي تعهدت بها المملكة، بعدما كشف آخر تقييم منشور لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سنة 2025، عن غياب علاقات ثنائية مفعّلة لتبادل التقارير الضريبية الخاصة بهذه الشركات.
ويأتي القرار الأوروبي بعد سبع سنوات من توقيع المغرب اتفاقاً دولياً لتبادل هذه المعلومات، وأكثر من ست سنوات قضاها مشروع القانون الموافق عليه داخل المسار البرلماني، قبل المصادقة النهائية عليه في يوليوز 2026، ما يطرح مسؤولية التأخر التشريعي من جهة، ومدى جاهزية الإدارة الضريبية لتفعيل التبادل الدولي من جهة ثانية.
وتكشف الوثيقة رقم 13854/26، التي اعتمدها مجلس الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، استمرار إدراج المغرب في الصفحة الثامنة من الملحق الثاني، إلى جانب الأردن وغرينلاند، ضمن البلدان التي التزمت بمعالجة نقائص في أطرها الداخلية المتعلقة بالتقارير الضريبية حسب البلدان، في أفق إدراج نتائج الإصلاحات ضمن مراجعة معيار «BEPS Action 13» خلال خريف 2026.
وكان المجلس الأوروبي قد أضاف المغرب إلى هذا الملحق يوم 10 أكتوبر 2025، بعد تعهده بتحسين معايير إعداد التقارير الخاصة بالمجموعات متعددة الجنسيات. وبعد قرابة عام، لا يزال اسمه مدرجاً في الوثيقة الجديدة، دون أن يعني ذلك وجوده على القائمة السوداء الأوروبية، إذ يتعلق الأمر ببلدان متعاونة لديها التزامات لم تُغلق بعد في إطار المتابعة.
وتكتسب هذه الوضعية أهمية إضافية عند الرجوع إلى مراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادرة في 23 شتنبر 2025، والتي سجلت أن المغرب لا يتوفر على علاقات ثنائية قائمة لتبادل التقارير حسب البلدان «Country-by-Country Reporting»، وأوصت بتفعيل اتفاقات مؤهلة بين السلطات الضريبية المختصة.
ولم تكن الملاحظة جديدة، إذ تؤكد المنظمة أن التوصية المتعلقة بإقامة علاقات التبادل ظلت قائمة منذ مراجعة 2019-2020، أي قبل سنوات من إدراج المغرب في الملحق الأوروبي خلال أكتوبر 2025.
غير أن التقرير نفسه يقدم معطى يستوجب التمييز؛ فقد اعتبر الإطار القانوني والإداري الداخلي للمغرب مستوفياً للمتطلبات التي شملتها مراجعته، ولم يصدر توصيات إضافية بشأن الاستخدام الملائم للتقارير. وهو ما يعني أن الملاحظات الدولية لا تتعلق بالضرورة بغياب التشريعات الداخلية، وإنما تشمل أيضاً القدرة على تشغيل آليات تبادل المعلومات بين الإدارات الضريبية.
وتبقى هناك نقطة تحتاج إلى توضيح رسمي، لأن الوثيقة الأوروبية لسنة 2026 تتحدث عن نقائص في الأطر الداخلية، بينما تركز التوصية المتبقية في تقرير المنظمة لسنة 2025 على علاقات التبادل. ولا تسمح الوثيقتان وحدهما بتحديد ما إذا كانت الملاحظات تتعلق بالمتطلبات نفسها أو بتطورات لاحقة في مسار التقييم.
أما المسار التشريعي للاتفاق، فتظهر وثائقه تأخراً يمتد لسنوات. فقد وقع المغرب الاتفاق متعدد الأطراف بين السلطات المختصة بشأن تبادل الإقرارات عن كل بلد يوم 25 يونيو 2019، وأودعت الحكومة مشروع القانون رقم 76.19 لدى مجلس النواب بتاريخ 27 يناير 2020، قبل إحالته على اللجنة المختصة بعد يومين.
ورغم وصول المشروع إلى البرلمان مطلع سنة 2020، لم يصادق عليه مجلس النواب إلا يوم 6 يوليوز 2026، بالإجماع، بعدما استغرق مساره داخل المؤسسة التشريعية أكثر من ست سنوات وخمسة أشهر.
وتظهر المفارقة عند مقارنة هذه المدة بالوقت الذي استغرقته المصادقة في مجلس المستشارين، حيث أحيل المشروع يوم 6 يوليوز 2026، ووافقت عليه اللجنة المختصة في اليوم الموالي، قبل أن يصادق عليه المجلس بالإجماع في جلسته العامة يوم 13 يوليوز.
وبذلك، استكمل المشروع مساره داخل الغرفة الثانية في أسبوع واحد، مقابل أكثر من ست سنوات بين إيداعه بمجلس النواب ومصادقته عليه، دون أن تكشف هذه التواريخ وحدها أسباب التأخر أو الجهة التي تتحمل مسؤوليته.
وفي 28 يوليوز 2026، صدر ظهير تنفيذ القانون رقم 76.19، قبل نشره في الجريدة الرسمية عدد 7534 بتاريخ 13 غشت 2026، أي بعد أكثر من سبع سنوات من توقيع الاتفاق الدولي.
ويطرح هذا المسار تساؤلاً مباشراً بشأن أسباب عدم استكمال الموافقة التشريعية خلال السنوات السابقة، وما إذا كان تأخر المصادقة قد أثر على الجدول الزمني لتفعيل علاقات التبادل الضريبي مع الدول المعنية.
ولا يتعلق الاتفاق بإجراء إداري محدود، وإنما بآلية دولية تتيح للسلطات الضريبية الاطلاع على معلومات تفصيلية بشأن أنشطة المجموعات الاقتصادية الكبرى العابرة للحدود.
وتشمل التقارير بيانات عن الإيرادات والأرباح والضرائب المؤداة وعدد العاملين ومؤشرات النشاط الاقتصادي في البلدان التي تشتغل فيها هذه المجموعات، بما يساعد الإدارات الضريبية على تحديد مخاطر تحويل الأرباح بين الشركات المرتبطة، وتقييم الحالات التي تستدعي مراقبة أعمق.
وبحسب مراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسنة 2025، يشمل الالتزام بإعداد هذه التقارير في المغرب المجموعات التي تبلغ إيراداتها السنوية الموحدة 8 مليارات و122 مليوناً و500 ألف درهم على الأقل، مع انطلاق أول سنة مالية مشمولة بنظام الإبلاغ ابتداء من فاتح يناير 2021.
لكن إخضاع الشركات المعنية لالتزام إعداد التقارير يختلف عن التبادل التلقائي لهذه البيانات مع الإدارات الأجنبية. كما أن صدور قانون الموافقة على الاتفاق لا يثبت، في حد ذاته، أن علاقات التبادل أصبحت مفعّلة أو أن المغرب بدأ بالفعل تلقي وإرسال التقارير وفق الآلية الدولية.
وهنا تبرز مسؤولية وزارة الاقتصاد والمالية والمديرية العامة للضرائب في توضيح الوضعية التي بلغها تنفيذ الاتفاق، خصوصاً بعد صدور القانون في صيف 2026، وبيان عدد علاقات التبادل التي أصبحت نافذة، والدول المعنية بها، والإجراءات المتخذة لمعالجة توصيات التقييم الدولي.
ولا يجوز اعتبار انعدام علاقات التبادل المسجل في تقرير شتنبر 2025 دليلاً على استمرار الوضع نفسه في أكتوبر 2026، ما لم تؤكده معطيات أحدث. كما أن بقاء المغرب ضمن الملحق الثاني الأوروبي لا يعني أن مهلة خريف 2026 انقضت أو أن الإصلاحات فشلت، وإنما يثبت استمرار متابعة الالتزامات في التحديث الأخير.
ومع ذلك، فإن الوثائق الرسمية تضع أمام الحكومة والبرلمان والإدارة الضريبية ملفاً يستدعي أجوبة محددة: لماذا انتظر اتفاق وُقّع سنة 2019 أكثر من سبع سنوات حتى نشر قانون الموافقة عليه؟ وما الأسباب التي جعلت مشروعه يقضي أكثر من ست سنوات في المسار البرلماني؟ وكم علاقة تبادل ضريبي فُعّلت منذ آخر تقييم دولي؟
ومع حلول خريف 2026 واستمرار متابعة الالتزامات الأوروبية، يبقى المعطى الأهم الذي يتعين على المديرية العامة للضرائب توضيحه هو عدد علاقات التبادل الفعلية، وحصيلة التقارير التي جرى تبادلها، وما إذا أصبحت المعلومات المتاحة تُستخدم لتقييم مخاطر تحويل أرباح الشركات الكبرى عبر الحدود.
فالنصوص القانونية أصبحت منشورة، والتوصيات الدولية معروفة منذ سنوات، بينما تظل حصيلة التبادل الفعلي هي المعطى الحاسم لتقييم ما تحقق من هذا المسار.
