وضع الملك محمد السادس الحكومة والإدارات المركزية والمؤسسات الترابية أمام مسؤولية تسريع تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، بعدما شدد، في خطاب افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز»، مطالباً بنقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.
ولم يقتصر الخطاب الملكي على تجديد الدعوة إلى تسريع الإصلاح، بل أقر باستمرار اختلالات تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، وتنعكس سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.
ويضع هذا التشخيص مسألة توزيع السلطة والموارد بين الإدارة المركزية والمؤسسات الترابية في واجهة النقاش، خصوصاً أن الملك ربط تحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج والنهوض بالتنمية المندمجة بمواصلة مسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري.
وتبرز هنا مفارقة مؤسساتية تستحق المساءلة: فالجهات مطالبة بالمساهمة في التنمية وجذب الاستثمار والاستجابة لحاجيات السكان، في حين يؤكد الخطاب استمرار عراقيل تحد من قدرتها على اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع.
فقد دعا الملك إلى وضع حد للعراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، ولا سيما من خلال تحديد أكثر وضوحاً لاختصاصاتها والرفع من مواردها البشرية والمادية، وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى التناسب بين المسؤوليات الملقاة على عاتق هذه المؤسسات والصلاحيات والإمكانيات الموضوعة رهن إشارتها.
لكن أين تتعطل عملية نقل الصلاحيات تحديداً، ومن يتحمل مسؤولية التأخير الذي استدعى هذا التنبيه الملكي الصريح؟
الخطاب حدد طبيعة الاختلالات والإجراءات المطلوبة لتجاوزها، دون تسمية الإدارات أو القطاعات التي تأخرت في نقل اختصاصاتها، أو تقديم جرد للصلاحيات المنقولة فعلياً إلى المصالح اللاممركزة مقارنة بتلك التي لم يكتمل تفعيلها.
كما أن تحديد المسؤوليات يقتضي معرفة حجم الموارد البشرية والمالية التي انتقلت إلى المستوى الترابي، ومدى ملاءمتها للاختصاصات المنقولة، لأن توسيع المسؤوليات دون توفير وسائل ممارستها قد يحد من قدرة المؤسسات المعنية على تحقيق النتائج المنتظرة.
ولم يغفل الخطاب جانباً آخر يتعلق بالعلاقة بين الدولة والجهات، إذ دعا إلى تنظيم هذه العلاقة ووضع آليات للتنسيق والتعاقد، بما يمكن المؤسسات الجهوية من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
ويفتح هذا التوجيه ملف تداخل الاختصاصات بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركزة والمؤسسات المنتخبة، وما قد يترتب عنه من صعوبات في تحديد الجهة المسؤولة عن المصادقة على المشاريع أو تمويلها أو تنفيذها.
فإذا كانت الجهات تتحمل مسؤوليات تنموية أمام السكان، فإن تقييم أدائها يظل مرتبطاً بمدى امتلاكها سلطة القرار والموارد اللازمة، وبوضوح المسؤوليات بين مختلف المتدخلين.
وفي هذا السياق، شدد الملك على أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يكمن في العمل الميداني على المستوى الترابي، والوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة وإيجاد حلول واقعية لها.
ويعطي هذا التوجيه بعداً عملياً لمسألة اللاتمركز الإداري، إذ لا يتعلق الأمر بإعادة توزيع الاختصاصات لذاتها، وإنما بمدى مساهمة هذا التحول في تسريع معالجة المشاكل المحلية وتحسين الخدمات العمومية وتنفيذ المشاريع الاستثمارية.
وتأتي هذه الرسائل في وقت وضع فيه الخطاب أمام الولايات التشريعية والحكومية الجديدة هدف مواصلة طموح المغرب إلى أن يصبح قوة اقتصادية صاعدة، في توازن بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
غير أن تقليص الفوارق بين المجالات الترابية يطرح بدوره سؤال قدرة الجهات على توجيه الاستثمار وتحديد أولويات التنمية وفق حاجياتها، بدل استمرار ارتباط قرارات أساسية بتدخل المصالح المركزية.
ومن هنا، تصبح حصيلة نقل الاختصاصات والموارد مؤشراً أساسياً لتقييم الاستجابة للتوجيه الملكي، بما يستدعي توضيح ما تحقق، وما لا يزال متعثراً، والآجال المرتقبة لاستكمال الإصلاح.
كما يطرح الخطاب أسئلة مباشرة على القطاعات الحكومية المعنية: ما الاختصاصات التي لم تُنقل بعد؟ وما العراقيل القانونية والتنظيمية والمالية التي تؤخر العملية؟ وكيف يجري تحديد المسؤولية عندما تتعطل المشاريع بسبب تداخل الصلاحيات؟
إن التشديد الملكي على عدم قبول مزيد من التأخير أو التماطل يجعل استكمال اللاتمركز الإداري قضية مرتبطة بنتائج الإصلاح، وليس فقط بإعلان الالتزام به.
وبين مطالبة الجهات بتحقيق التنمية واستمرار العراقيل التي تحد من سلطتها في اتخاذ القرار، يبرز السؤال الأهم: هل ستترجم الحكومة والإدارات المعنية هذه التوجيهات إلى نقل فعلي للصلاحيات والموارد، أم سيظل تأخر الإصلاح أحد العوائق أمام تحقيق التنمية الترابية التي يطالب بها الخطاب الملكي؟
