بكلمات حادة لم تستثنِ المثقفين ولا الدولة، فتح الكاتب والباحث المغربي إدريس الكنبوري ملف غياب النخبة الفكرية عن الحياة العامة بالمغرب، متهماً جزءاً من المثقفين بالانسحاب من النقاش العمومي بسبب «اليأس» و«الجبن» أو التوجه نحو دول الخليج بحثاً عن المكاسب، قبل أن يوجه انتقاداً مباشراً إلى الدولة، معتبراً أنها لا تمنح المثقف الاعتراف الذي يستحقه، بما يجعله يعاني من «نقصان المواطنة» داخل وطنه.
وفي تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، تساءل الكنبوري عن أسباب غياب المثقفين والمفكرين عن مواكبة التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعرفها المغرب، معتبراً أن النخبة التي كان يفترض أن تضطلع بأدوار النقد والتحليل ومساءلة الاختيارات العمومية تخلت عن حضورها في المجال العام.
ولم يبحث الكنبوري عن عبارات مخففة لوصف هذا الوضع، إذ كتب أن المثقفين انسحبوا نهائياً من الحياة العامة، «بعضهم بفعل اليأس، وبعضهم بفعل الجبن، وبعضهم الآخر بفعل التوجه نحو الخليج من أجل الكسب»، في موقف يثير أسئلة بشأن استقلالية المثقف المغربي وحدود علاقته بالسلطة والمال.
واختار الباحث عقد مقارنة سياسية وتاريخية مع عهد الملك الراحل الحسن الثاني، مؤكداً أن المغرب كان يتوفر آنذاك على «جيش من المثقفين والمفكرين» يتمتعون بهامش من الحرية، ويحضرون بقوة في النقاشات السياسية والثقافية، بل إن محيط الملك نفسه كان يضم شخصيات فكرية تكتب وتحاضر وتؤلف، وتمتلك مواقف ورؤى مستقلة.
واستحضر في هذا السياق محمد علال سيناصر وعبد الهادي بوطالب وعبد الهادي التازي والفقيه محمد الركراكي، مشيراً إلى أن هؤلاء لم يكونوا جميعاً من المتزلفين للسلطة، بل كان بعضهم يتخذ مواقف لا تروق للملك الراحل، الذي كان، بحسب تقدير الكنبوري، يقدر أدوارهم الفكرية رغم اختلافه معهم أحياناً.
وفي مقابل تلك الصورة التي رسمها للماضي، اعتبر الكنبوري أن المغرب يشهد اليوم انتشار ما وصفهم بـ«المثقفين الإداريين»، على غرار الأحزاب الإدارية، في إشارة إلى تكنوقراط يشتغلون في خدمة الدولة دون امتلاك رؤية فكرية أو سياسية مستقلة، واصفاً أداءهم بأنه أقرب إلى عمل الحرفيين.
ويرى الباحث أن هذا التحول ترافق مع اختفاء نموذج «المثقف الكلي»، الذي يجمع بين المعرفة والانخراط في الشأن العام، ولا تسمح له اهتماماته النظرية بالابتعاد عن القضايا اليومية للمواطنين، من الحريات والديمقراطية إلى الأزمات الاجتماعية والسياسية.
وامتدت انتقادات الكنبوري إلى عدد من المثقفين الذين اختاروا، وفق رأيه، الانصراف نحو الدراسات الإسلامية والتاريخ الفكري والنقاشات الأيديولوجية، بدلاً من الاشتباك مع القضايا الراهنة، معتبراً أن اللجوء إلى الموضوعات التجريدية أصبح بالنسبة إلى بعضهم وسيلة لتجنب الصدام مع الدولة.
وضرب مثالاً بمحاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة، متسائلاً عن غياب أصوات المثقفين أمام مشاهد الشباب الذين خاطروا بحياتهم للوصول إلى المدينة، وما تثيره تلك الوقائع من أسئلة بشأن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ومستقبل الأجيال الصاعدة.
كما انتقد ما يعتبره ضعف اهتمام المثقفين المغاربة بالتطورات المرتبطة بقضية الصحراء، مقارنة بحجم الكتابات والدراسات التي تصدر في إسبانيا حول الموضوع، مستغرباً أن تظل قضية بهذه الأهمية السياسية والوطنية خارج دائرة الانشغال الفكري الواسع داخل المغرب.
وذهب أبعد من ذلك باتهام مثقفين إسبان يكتبون لصالح الموقف المغربي من قضية الصحراء بالحصول على مقابل مادي من المغرب، دون أن يقدم في تدوينته أسماء أو معطيات توثيقية تتيح التحقق من هذا الاتهام.
غير أن الكنبوري لم يحصر أسباب الأزمة في اختيارات المثقفين، بل حمّل الدولة بدورها مسؤولية ما آلت إليه العلاقة مع النخب الفكرية، معتبراً أنها لا تهتم بالمثقف ولا تعترف بمكانته، في الوقت الذي أصبح فيه هذا الأخير ينظر إلى القضايا الكبرى باعتبارها مجالات يحتكرها «المخزن»، ولا تتيح له المشاركة فيها بوصفه فاعلاً مستقلاً.
وكتب في واحدة من أبرز عبارات تدوينته: «يمكن أن نقول بكل ثقة بأن المثقف يعاني في المغرب من نقصان المواطنة، ليس بإرادة منه، بل بسبب عدم اعتراف الدولة به».
وهنا يتجاوز انتقاد الكنبوري مسألة تراجع الإنتاج الفكري أو ضعف المشاركة في النقاش السياسي، ليصل إلى طبيعة علاقة الدولة بالمثقف، ومدى قدرته على ممارسة دوره النقدي دون أن يتحول إلى موظف في خدمتها أو يضطر إلى الابتعاد عن الملفات التي تحتكر المؤسسات الرسمية تدبيرها.
وتثير هذه المواقف، رغم ما تتضمنه من أحكام عامة قابلة للنقاش، إشكالية موقع المثقف في المغرب، وما إذا كان غيابه عن بعض القضايا العمومية يعكس أزمة داخل النخبة نفسها، أم نتيجة لضعف الاعتراف المؤسسي بالفكر المستقل.
واختتم الكنبوري تدوينته بسؤال يحمل انتقاداً مباشراً للعلاقة بين المواطنة والانتماء الوطني، قائلاً: «كيف يمكن للمواطن أن يعتز بمغربيته في الوقت الذي لا يعتز المثقف بها؟ كيف يمكن لمن لا يمارس مغربيته بشكل طبيعي ولا يشعر باكتمال المواطنة أن يعتز بمغربيته؟».
