من مخاطر الإخلاء القسري إلى تجريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والعلاقات المثلية، أعادت منظمة العفو الدولية «أمنستي» ملفات حقوقية حساسة بالمغرب إلى واجهة الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، بعدما وجهت رسالة رسمية إلى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، طالبت فيها بالحصول على ضمانات حقوقية ملزمة من المغرب وإسبانيا والبرتغال، معتبرة أن الاستراتيجيات المقدمة من البلدان الثلاثة لا تعالج بصورة كافية أبرز المخاطر المرتبطة بالبطولة.
الرسالة، المؤرخة يوم أمس الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، تحمل المرجع الدولي IOR 10/1553/2026، وتتكون من ثلاث صفحات، ووقعتها مارتا شاف، مديرة برنامج المناخ والعدالة الاقتصادية والاجتماعية ومساءلة الشركات بمنظمة العفو الدولية.
وتأتي قبل أقل من أربع سنوات على انطلاق المونديال، وقبل أشهر من انعقاد المؤتمر الانتخابي للفيفا بالعاصمة المغربية الرباط.
ووفق الوثيقة الأصلية المنشورة على الموقع الرسمي لأمنستي، فإن تقييماً أنجزته المنظمة بالاشتراك مع تحالف الرياضة والحقوق خلص إلى أن الاستراتيجيات الحقوقية التي قدمتها اتحادات كرة القدم في المغرب والبرتغال وإسبانيا تفتقر إلى التزامات واضحة لمعالجة غالبية المخاطر الأكثر إلحاحاً المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030.
وخصت المنظمة المغرب بملاحظات تتعلق بإنهاء عمليات الإخلاء القسري وتجريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والعلاقات الجنسية المثلية، معتبرة أن هذه القضايا لم تحظ بالتزامات واضحة وكافية ضمن الاستراتيجيات المقدمة للفيفا.
وتطرح هذه المطالب إشكالاً يتجاوز التدابير التنظيمية المرتبطة بالمباريات، ليمس التشريعات الوطنية والضمانات القانونية المطبقة على السكان والمشجعين والزوار.
غير أن الرسالة لا تقدم أدلة على وقوع عمليات إخلاء قسري بسبب مشاريع مونديال 2030، بل تدعو إلى معالجة المخاطر التي حددتها المنظمة قبل انطلاق البطولة.
وفي إسبانيا والبرتغال، أثارت أمنستي مسألة توفر السكن بأسعار ميسورة لسكان المدن المستضيفة، بينما حذرت من مخاطر مشتركة بين البلدان الثلاثة، تشمل الاستخدام المفرط للقوة من طرف الشرطة في التعامل مع الحشود، والاستعمال غير الملائم للرصاص المطاطي، والقيود على حرية التعبير والتجمع، إلى جانب استمرار الممارسات العنصرية والتمييز الجنسي ورهاب المثلية في كرة القدم.
ولم تكتف المنظمة بتشخيص هذه المخاطر، بل طالبت الفيفا، ضمن قائمة إجراءات عاجلة وردت في الصفحة الثالثة من رسالتها، بالحصول على استراتيجيات أكثر مصداقية والتزامات ملزمة من المغرب والبرتغال وإسبانيا لمنع انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بمونديال 2030.
وليست هذه الانتقادات جديدة بالكامل، إذ سبق لأمنستي وتحالف الرياضة والحقوق أن نشرا، يوم 11 نونبر 2024، تقريراً بعنوان «ملفات ترشيح عالية المخاطر»، انتقد الاستراتيجيات الحقوقية المقدمة لتنظيم نسختي 2030 و2034، ودعا الفيفا إلى معالجة أوجه القصور قبل المصادقة على ملفات الاستضافة.
لكن الاتحاد الدولي مضى في مسطرة إسناد التنظيم، بعدما أعلن، في تقرير تقييم الترشيحات المنشور يوم 29 نونبر 2024، أن الملف المشترك للمغرب وإسبانيا والبرتغال تجاوز الحد الأدنى من متطلبات الاستضافة.
وشمل التقييم، بحسب الفيفا، البنيات التحتية والخدمات والجوانب التجارية والاستدامة وحقوق الإنسان.
وفي 11 دجنبر من السنة نفسها، صادق المؤتمر الاستثنائي للفيفا على إسناد مونديال 2030 إلى البلدان الثلاثة، مع تخصيص ثلاث مباريات احتفالية بالذكرى المئوية في أوروغواي والأرجنتين وباراغواي.
ويكمن الاختلاف بين التقييمين في أن الفيفا اعتبر ملف الترشيح مستوفياً لشروط الاستضافة، بينما ترى أمنستي أن الاستراتيجيات الحقوقية لا تتضمن ضمانات كافية لمواجهة المخاطر المحددة.
ولا يعني قرار منح التنظيم، في حد ذاته، أن جميع الالتزامات الحقوقية أصبحت منفذة أو أن المخاطر المحتملة قد زالت.
أما الجديد في رسالة أكتوبر 2026، فيتمثل في تجديد هذه المطالب مباشرة أمام إنفانتينو، بعد ما يقارب عامين من إسناد البطولة، وانتقال البلدان المستضيفة من مرحلة تقديم الترشيحات إلى تنفيذ المشاريع والاستعدادات.
واستندت المنظمة في انتقاداتها أيضاً إلى تجربة مونديال 2026 بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك، معتبرة أن البطولة كشفت عن فجوة بين الالتزامات الحقوقية المعلنة للفيفا وتطبيقها الفعلي.
وأشارت الرسالة إلى أن أكثر من 65 ألف عضو ومناصر لأمنستي طالبوا الفيفا وحكومات البلدان المضيفة بحماية حرية التعبير والتجمع السلمي، ووضع حد للمداهمات العشوائية والتنميط العرقي والاعتقالات التعسفية والاحتجاز الجماعي والترحيل غير القانوني في الولايات المتحدة، وإزالة قيود السفر التمييزية وحماية الأشخاص من التمييز والمضايقات.
واعتبرت المنظمة أن الاعتماد على الحكومات والسلطات المحلية لتنفيذ الضمانات الحقوقية، دون تدخل فعلي من الفيفا عند الإخلال بها، ساهم في المشكلات التي رصدتها خلال نسخة 2026، مطالبة بأن تكون حماية الحقوق شرطاً قابلاً للإنفاذ في البطولات المقبلة.
وتكتسب الرسالة بعداً إضافياً بالنظر إلى موعد الانتخابات الرئاسية للفيفا، المقررة يوم 18 مارس 2027، خلال المؤتمر السابع والسبعين الذي ستحتضنه الرباط.
فقد ربطت أمنستي بين اقتراب هذا الاستحقاق وما وصفته بأزمة الحكامة والمصداقية داخل الاتحاد الدولي، داعية إلى إصلاحات جذرية في طريقة تعامله مع الانتهاكات الحقوقية المرتبطة ببطولاته.
كما تضمنت الرسالة مطالب أخرى تتعلق بتعويض العمال المهاجرين وأسر المتضررين من التحضير لمونديال قطر 2022، ومعالجة مخاطر استغلال العمال المهاجرين في السعودية قبل كأس العالم 2034، واتخاذ إجراءات بشأن مشاركة أندية المستوطنات الإسرائيلية في مسابقات كرة القدم.
وفي المغرب، تضع مطالب أمنستي الجهات المكلفة بالتحضير للمونديال أمام أسئلة محددة بشأن الإجراءات المتخذة لحماية العمال المشاركين في مشاريع الملاعب والبنيات التحتية، وحقوق السكان في المناطق المعنية بالأوراش، والضمانات المرتبطة بتدبير الحشود وحماية المشجعين من التمييز أو الاعتداء.
وتشمل هذه الأسئلة الحكومة والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والجهات المشرفة على المشاريع والسلطات المحلية، خصوصاً في ما يتعلق بوجود آليات لتلقي الشكايات ومعالجة الانتهاكات المحتملة، ومدى إتاحة معطيات منشورة تسمح بتقييم تنفيذ الالتزامات الحقوقية.
وبعد نحو عامين من موافقة الفيفا على ملف التنظيم، أعادت أمنستي المطالب نفسها إلى طاولة إنفانتينو، لكن هذه المرة بينما تتواصل الاستعدادات الفعلية للبطولة.
ويبقى السؤال الذي تطرحه الوثيقة هو ما إذا كانت الجهات المسؤولة عن مونديال 2030 ستقدم ضمانات إضافية قابلة للتحقق، أم ستظل الملاحظات التي سجلتها المنظمة منذ مرحلة الترشيح دون معالجة كافية.
