لم تمض سوى أسابيع على الجدل الذي أثاره دعم الإعلامي والناشر أحمد الشرعي لفاطمة الزهراء المنصوري خلال الحملة الانتخابية، حتى عادت إسرائيل إلى واجهة النقاش السياسي المرتبط برئيسة الحكومة المغربية المعينة، وهذه المرة عبر صحيفة عبرية قدمتها باعتبارها شخصية داعمة للتطبيع مع تل أبيب، دون أن تكشف عن تصريح أو وثيقة تستند إليها في تحديد موقفها.
ونشرت صحيفة «إسرائيل هيوم»، أمس الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، تقريراً حمل عنوان «مؤيدة للتطبيع مع إسرائيل.. المنصوري تستكمل تشكيل الحكومة في المغرب»، تناولت فيه الإعلان عن الأغلبية الحكومية الجديدة عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي.
ولم يقتصر حضور التطبيع على عنوان التقرير، إذ كتب محرر الشؤون العربية بالصحيفة، شاحر كليمان، أن «المنصوري نفسها تدعم العلاقات والتطبيع مع إسرائيل»، بعدما وصف حزب الأصالة والمعاصرة بأنه قريب من توجهات المؤسسة الملكية.
لكن الصحيفة لم توضح مصدر هذا الجزم، ولم تنقل تصريحاً مباشراً للمنصوري تعلن فيه تأييدها للتطبيع، أو تستشهد بموقف رسمي للحزب يثبت ما نسبته إلى رئيسة الحكومة المعينة.
كما لم يتضمن التقرير توضيحاً لما إذا كانت هذه الخلاصة تستند إلى معلومات حصل عليها محرره أم إلى تقدير سياسي خاص بالصحيفة.
ويستحضر هذا التوصيف مواجهة انتخابية شهدها المغرب قبل أقل من شهر، عندما أثار الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، قضية الدعم الذي أعلنه أحمد الشرعي لحزب الأصالة والمعاصرة، مستحضراً مواقف الناشر المغربي المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها مقاله المثير للجدل «كلنا إسرائيليون».
وخلال مهرجان انتخابي بمدينة تارودانت، يوم 19 شتنبر الماضي، طالب بنكيران المنصوري بتوضيح موقفها من دعم الشرعي، محذراً من اعتبارها «مرشحة إسرائيل لرئاسة الحكومة» إذا لم تنأ بنفسها عن مواقفه، دون أن يقدم دليلاً على وجود دعم إسرائيلي رسمي لترشيحها.
وردت المنصوري، في تصريحات صحفية أدلت بها خلال الفترة نفسها، برفض تحميلها أو تحميل حزبها مسؤولية تصريحات الآخرين واختياراتهم، مشددة على أن موقف الأصالة والمعاصرة من القضية الفلسطينية واضح في بياناته وبلاغاته الرسمية.
وفي تجمع انتخابي بإقليم الرحامنة، نفت معرفتها الشخصية بأحمد الشرعي، مؤكدة أنها لم يسبق لها أن التقته أو تحدثت معه هاتفياً، ورافضة الربط بين مواقفها السياسية وبين آراء شخص أعلن دعمه لحزبها.
غير أن رد المنصوري انصب أساساً على نفي علاقتها بالشرعي ورفض تبني مواقفه، ولم يتضمن، في التصريحات المشار إليها، موقفاً تفصيلياً من مستقبل العلاقات الدبلوماسية المغربية الإسرائيلية.
وهو فرق أساسي، لأن رفض تحمل مسؤولية مواقف شخص مؤيد لإسرائيل لا يعني بالضرورة رفض التطبيع نفسه، مثلما أن دعم ذلك الشخص لحزب سياسي لا يثبت أن قيادته تتبنى مواقفه.
وبعد هذه المواجهة الانتخابية، عادت القضية إلى الواجهة من مصدر إسرائيلي، في توقيت سياسي حساس أعقب تعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة ومكلفة بتشكيلها، يوم 29 شتنبر الماضي، ثم إعلان اتفاق أربعة أحزاب على تشكيل الأغلبية الجديدة مساء الاثنين 12 أكتوبر.
ويتعلق الأمر بأحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، التي تتوفر مجتمعة على 207 مقاعد من أصل 395 بمجلس النواب، في انتظار استكمال المشاورات المتعلقة بتوزيع الحقائب الوزارية واختيار أعضاء الحكومة.
وتبرز هنا مفارقة أخرى في التغطية الإسرائيلية، إذ تحدث عنوان «إسرائيل هيوم» عن استكمال تشكيل الحكومة، بينما لم تكن المشاورات بشأن تركيبتها الوزارية قد انتهت، وكان الاتفاق المعلن يخص تشكيل الأغلبية البرلمانية التي ستدعمها.
كما أن البيان المشترك للأحزاب الأربعة ركز على أولويات اقتصادية واجتماعية، من بينها تحسين ظروف العيش وتعزيز الحقوق والحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي، دون الإعلان عن أي توجه جديد بشأن العلاقات المغربية الإسرائيلية.
ورغم ذلك، اختارت الصحيفة العبرية إبراز موقف المنصوري المفترض من التطبيع في مقدمة تغطيتها للتحولات الحكومية بالمغرب، وهي زاوية لم توضح الأساس الذي اعتمدته في تقديمها.
ولا يشكل ما نشرته الصحيفة دليلاً على تحول في السياسة الخارجية المغربية، التي تندرج ضمن الاختصاصات الدستورية للملك والمؤسسات المعنية، كما لا يثبت وجود علاقة سياسية خاصة بين المنصوري وأطراف إسرائيلية.
لكن التقرير يعيد إلى الواجهة سؤالاً لم تحسمه التصريحات السابقة لرئيسة الحكومة المعينة، يتعلق بموقفها الشخصي من استمرار العلاقات مع تل أبيب، خصوصاً بعدما اختارت صحيفة إسرائيلية نسب تأييد التطبيع إليها بصورة مباشرة.
وبين مقال أحمد الشرعي «كلنا إسرائيليون»، واتهامات بنكيران خلال الحملة الانتخابية، ونفي المنصوري علاقتها بالناشر المغربي، يضيف التقرير العبري عنصراً جديداً إلى الجدل، دون أن يقدم ما يكفي لإثبات وجود ارتباط بين هذه الوقائع.
أما السؤال الذي تتركه «إسرائيل هيوم» دون جواب، فهو: ما المصدر الذي استندت إليه للجزم بموقف رئيسة الحكومة المغربية من التطبيع، ولماذا لم تكشف عنه في تقريرها؟
