– ديبلوماسي سابق
قدّم الدكتور علاء الدين بنهادي، الدبلوماسي السابق، خرجة مطوّلة عبر قناته في اليوتيوب، بعد تلقيه اتصالات من أصدقاء يطلبون منه إبداء رأيه في سلسلة الأحداث المتلاحقة خلال الأيام الأخيرة.
ومنذ البداية، أوضح أن الأمر لا يتعلق بواقعتين معزولتين، بل بملفين كبيرين يعكسان توتراً أعمق وأزمة أخلاقية تضرب قلب السياسة والإعلام في المغرب.
الملف الأول يتعلق بالتسريبات التي خرجت من داخل لجنة الأخلاقيات أثناء مناقشة ملف أحد الصحافيين، أما الملف الثاني فيخصّ ما أثاره النائب البرلماني عبد الله بوانو حول شبهات تضارب المصالح وتفويت صفقات أدوية لشركة مرتبطة بوزير التربية الوطنية، عبر إجراءات قام بها وزير الصحة، وكلاهما ينتميان لحزب التجمع الوطني للأحرار.
وقال الدكتور بنهادي إن ملف بوانو “ليس صغيراً ولا تقنياً”، بل هو ملف له أبعاد وطنية، لأن بوانو لم يطلب أكثر من تشكيل لجنة تقصي الحقائق لمعرفة الحقيقة: من فوّت لمن؟ وبأي شروط؟ وهل تم احترام المساطر القانونية؟ وأضاف: “هذا هو المطلب… فقط رفع اللبس حتى لا يتهم أي شخص أو جهة بدون أدلة.”
لكن المفاجأة، حسب ما أورده، جاءت بعد تصريحات الوزير السابق عبد القادر أيت الرحمو التي تفيد بأن النيابة العامة أمرت بفتح تحقيق رسمي.
وهنا أوضح بنهادي أن القانون يمنع تشكيل لجنة برلمانية إذا كان الموضوع نفسه محل تحقيق قضائي، ما يطرح سؤالاً كبيراً لدى المواطنين: لماذا هذا التحرك في هذا التوقيت تحديداً، وبعد تفجير الملف داخل البرلمان؟
ومع ذلك، شدّد بنهادي على أن الدخول في النوايا ليس مفيداً، وأن النيابة العامة تشتغل وفق اختصاصاتها القانونية.
لكنه أضاف أن مبادرة بوانو كانت ستصطدم أساساً بجدار الأغلبية العددية حتى لو لم تتدخل النيابة العامة، لأن المعارضة لا تمتلك القوة البرلمانية الكافية لتمرير تشكيل اللجنة.
وقارن هذه اللحظة بما وقع مع ملتمس الرقابة ضد الحكومة، حين قال: “الملتمس كان مبادرة سياسية أكثر مما هو مبادرة بغاية إسقاط الحكومة، لأن الشروط العددية غير متوفرة، ومع ذلك انسحب الاتحاد الاشتراكي وسقط الملتمس. وهذا دليل على أزمة سياسية وأزمة أخلاقية داخل الحقل الحزبي.”
وانتقل إلى وضع الأغلبية، مؤكداً أن هشاشة التحالف الحكومي واضحة من خلال خرجات قيادات من حزب الاستقلال وقيادات من حزب الأصالة والمعاصرة التي بدأت تتبرأ من السياسات الحكومية استعداداً لاستحقاقات 2026. وقال: “هنا كتبان الأزمة الأخلاقية… السياسة ولات تجارة. السياسي ولى تاجر، والتاجر ولى سياسي، كما هو شأن رجل الأعمال عزيز أخنوش.”
ثم عاد إلى جوهر الموضوع قائلاً إن النيابة العامة تسلمت الآن الملف، وينبغي انتظار نتائج التحقيق. وأشار إلى أن لجان تقصي الحقائق نفسها نادراً ما تخرج بنتائج، مستدلاً بلجنة تقصي الحقائق التي تشكلت بعد أحداث فاس سنة 1990: “من ذاك الوقت والنتائج ما بانوش… والناس ماتوا وذويهم ما زال يحملون الألم… واللجنة ما دارت والو.”
وأوضح أن القول بأن النيابة العامة تدخلت لإجهاض مبادرة البرلمان “تفسير ضعيف”. واعتبر أن المطلوب هو ترك النيابة العامة تشتغل، وفي الوقت نفسه على من أثار الملف ألا يتوقف، “لأن هناك أدوات أخرى: الإعلام، الأسئلة البرلمانية، النقاش التشريعي… اللي بغا يخدم يقدر يخدم.”
وتوقف مطولاً عند الدور الذي يقوم به عبد الله بوانو، قائلاً إنه يقوم بدور مهم كنائب أمة، لكن المشكل أنه يعمل منفرداً تقريباً، وأن قيادة حزبه لا توفر له الدعم الكافي.
واسترجع كلاماً سابقاً لبنكيران قال فيه لبوانو: “خلي الحكومة تخدم… خلي السي أخنوش يخدم”.
وأضاف أن بوانو في الأسابيع الأخيرة أثبت حضوره الرقابي بقوة، وأن حديث بنكيران عنه بكونه “زعيم وطني” يطرح تساؤلات حساسة: “في التاريخ المغربي، هذا اللقب لم يُعطَ إلا لمحمد الخامس وعلال الفاسي. واليوم بنكيران كيحط بوانو ثالثهم. واش هذه إشادة؟ ولا تخويف؟”
ووجّه خطاباً مباشراً لبوانو قائلاً:
“إذا كان هذا ثناء فعلاً من الأمين العام، فمن باب أولى يخليك تقود الحزب. أما إذا كان المقصود تخويفك من الزعامة، فأقول لك: لن يسمحوا لك بالمرور، لأن حب الرئاسة آخر شيء يسقط من قلب الرجل.”
وفي الجزء الثاني من مداخلته، انتقل بنهادي إلى التسريب الذي هزّ الرأي العام، موضحاً أنه تعمد عدم التعليق فوراً لأنه لا يريد الانفعال.
وقال إن المشهد الإعلامي أصبح معقداً لدرجة أن الاتجاهات لم تعد مفهومة، وأن كل الفاعلين دخلوا مبكراً في موسم انتخابي، وكل واحد يبحث عن موقعه.
وأكد أن ما ظهر في التسريب من ألفاظ نابية وسلوكات غير مهنية أمر لا يليق بمؤسسة يفترض أن تحمي الأخلاق المهنية.
لكنه شدد على أن المشكلة لا تتعلق فقط بما قيل داخل اللجنة، بل بالبيئة الإعلامية كلها، قائلاً: “الصحافة فخطر من سنوات، ماشي اليوم. والخطر جا من بعض أبنائها اللي تحولوا بين ليلة وضحاها لكتّاب تحت الطلب. وكنعرفو بعضياتنا… وكنعرفو الماضي ديال كل واحد.”
وأضاف أن السؤال الحقيقي ليس “من سرّب؟” بل “لماذا حدثت هذه السلوكات داخل اللجنة؟ ومن سمح بها؟ ولماذا خرج التسريب اليوم بالضبط؟” مؤكداً أن الأمر “مدبّر ومخطط له”، وأن أهدافه ستظهر مع اقتراب الاستحقاقات.
واعتبر بنهادي أن الحقل السياسي والإعلامي والحقوقي والنقابي يعيش أزمة واحدة: أزمة أخلاق وانهيار منظومة القيم من الداخل. وقال: “المصيبة جاية من ولاد الحقل… من السياسيين، من الإعلاميين، من النقابيين… ماشي من الخارج.”
وفي ختام حديثه، قدّم قصة عاشها خلال منتصف الثمانينيات عندما كان طالباً في فرنسا، تخصّ رئيس الحكومة الفرنسية بيار بيريغوفوا، الذي اتُّهم بأنه استفاد من قرض بشروط تفضيلية.
وقال: “الرجل ما تحملش يتقال عليه أنه استغل منصبه… ومات منتحراً في حديقة بباريس. كان ممكن يولي رئيس جمهورية.”
وأضاف بنبرة مؤلمة:
“حنا ما كنطلبوش من المسؤولين ينتاحرو… غير يمشيو يجلسو فديورهم ويرجعو اللي خداو. ولكن مع الأسف، الملفات كتعيش أربع سنين وتولد ملفات أخرى: الحوز، الدوا، الأكسجين، النفط، الدعم الفلاحي… وما كاينش نهاية.”
وختم الدكتور بنهادي قائلاً:
“الأزمة اليوم أخلاقية قبل أن تكون سياسية… والله يهدي من يشاء.”
