بقلم: حسن حلحول
إن الذكاء الاصطناعي، وتوسع قاعدة البيانات المتقدمة التي يتوفر عليها هذا الذكاء، جعل الإشكاليات الأساسية التي تبني عليها الفلسفة مباحثها فيما هو الأنطولوجي والإبستمولوجي، سيفرغها من محتواها. وهذا سيؤدي كذلك إلى إفراغ مفاهيم الدينية والعقائدية عند الإنسان.
لفهم الوجود انطلاقاً من الذكاء الاصطناعي الفائقة السرعة، سيتغير مفهوم الوجود ومفهوم محاكاة الحياة.
فهل يعيش الإنسان، بتطور هذا الذكاء، نهاية البشر الميتافيزيقي الأخلاقي؟
إن العالم لا يعيش تحولات كبرى على مستوى تكنولوجيا الروبوتات، وإنما ينتقل بسرعة فائقة إلى الذكاء الاصطناعي. الإنسان غير البيولوجي يفهم الحياة بفهم مغاير، وأسلوب غير مبني على الأخلاق والقيم البشرية.
إن العالم ينتقل إلى الذكاء الاصطناعي فائق السرعة الذي سينهي العلاقة الاجتماعية الإنسانية، ويحل محلها الحياة الاجتماعية الروبوتات.
إن البشرية، بسيرها نحو الذكاء الاصطناعي الفائقة السرعة الذي قد يتحقق في السنوات القليلة القادمة، يتحقق معها القيامة. سيسيطر على جميع الميادين الحياتية، البسيطة فيها والكبيرة.
لن يبقى للإنسان ذلك الدور الذي يقوم به الآن، بل إن هذا قد يؤدي إلى فقدان الدول، والانتقال إلى الدولة الواحدة يتحكم فيها الذكاء الاصطناعي فائق السرعة.
الذكاء الاصطناعي والدين
هل سيغير الذكاء الاصطناعي الفائقة السرعة المنتظر فهم الدين، وينهي صراع أو إشكالية علاقة الدين بالعقل؟
لطالما الإنسان، منذ قرون، يتخبط في مطارحات فكرية فلسفية ولم يستطع حلها. فجاء الذكاء الاصطناعي لكي يضع قطيعة بين الإنسان ما قبل الذكاء الاصطناعي وما بعده، على غرار الإنسان ما قبل التاريخ وما بعده.
وهنا نقول: هل البشرية بذلك تقوم بوأد التاريخ وكل ما يرتبط به عقائدياً وإبستمولوجياً، ويعيش الإنسان ما بعد الذكاء الاصطناعي على كل ما هو مادي فحسب، باعتبار أن الذكاء في ذاته مكوّن من مواد مصنعة من معادن، لا من دم ولحم؟
إن هذا يجعل البشرية مقبلة — والله أعلم — على فترة أو عصر “الذهبي الإنترنتي”. أي لن يعود الفكر يعكس الواقع المحسوس، بل ينقلب إلى أن الواقع يعكس الذكاء الاصطناعي.
فعلماء هذا الميدان يعرفون مخاوف المستقبل.
فالتسابق بين الشركات الأمريكية والصينية يجعلهم يفكرون في تحقيق الأرباح الرأسمالية المتوحشة دون تفكير فيما هو إنساني.
إن هذا سيؤدي — حسب الخبراء — إلى أن كل المفاهيم ستتغير، انطلاقاً من إعادة تكوين العقل وتركيبه من العقل الخالص إلى العقل المركب أو المختلط، الذي سيتكون من العقل الطبيعي والعقل الإلكتروني. وهذا سيؤدي إلى إحداث انقلاب على العقل العادي المعروف عندنا، عقل لا يكون فيه المجال لما هو ميتافيزيقي.
كيف يكون ذلك؟
إن الذكاء الاصطناعي الفائقة السرعة سيتعدى ويتجاوز الفكر الإنساني، ويتفوق عليه، ويكون الإنتاج الفكري لهذا الذكاء صادراً من ذاتيته، ولا يحتاج إلى الإنسان، لأن هذا الأخير متخلف في قدرته على التفكير، بطيء، في الوقت الذي تكون فيه سرعة التفكير للذكاء الاصطناعي بسرعة الضوء.
قد يختزل زمان عشرين عاماً يستغرقه تفكير الإنسان في ثوانٍ معدودة.
إذن، بهذه الطريقة، لا يتأتى التفوق على الذكاء الاصطناعي الفائقة السرعة إلا بصنع إنسان آخر غير الإنسان الحالي، يكون مركباً من الآدمية والآلية.
ويمكن القول — مجازاً — سيعاد خلق إنسان آخر يعتمد جزءاً من تفكيره على ما هو آلي، والجزء الآخر يحتفظ بطبيعته.
ويكون هذا ممكناً إلا بواسطة الذكاء الاصطناعي.
إذن، النتيجة التي يمكن أن نصل إليها، وهي أنه ستكون ثمة حركة دائرية: الإنسان صنع الذكاء الاصطناعي من ذاته وعقله، وهذا الأخير سيتفوق على الإنسان، ثم يصبح الإنسان يستعين بهذا الخلق الجديد لخلق الإنسان الجديد، نصف تفكيره آلي ونصف طبيعي، لكي يتغلب عليه ويتحكم فيه.
من هنا، تكون مفاهيم الفكر النظري الذي يبحث في وجود الإنسان والكون والطبيعة متغيرة، مبدّلة تبديلًا.
وهنا يمكن طرح السؤال: كيف سينظر إلى الدين في خضم هذا التطور الخارق والمذهل؟
من هنا لا يسعنا إلا أن نقول: إن مدبّر هذا الكون سيدبر أمره. لا يمكن أن يكون الإنسان الذي خلقه الله في أحسن صورة يُشوَّه أو يُعدّل حتى يفقد إنسانيته، إلا إذا كانت هناك حكمة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.
