لحظة سياسية ثقيلة تحيط بالنقاش العمومي، بينما تتجه الأنظار نحو مشاريع القوانين الانتخابية التي أشعلت جدلاً واسعاً داخل البرلمان وخارجه.
وسط هذا المشهد، اختار حزب العدالة والتنمية كسر الصمت، مقدّماً قراءة سياسية وقانونية تصف ما يجري بأنه ليس إصلاحاً انتخابياً كما يُروَّج، بل عملية “هندسة هادئة” لإعادة تشكيل الخريطة السياسية على المقاس.
الندوة التي قدمها عبد العلي حامي الدين لم تكن استعراضاً تقنياً، بل محاولة لتفكيك منطق جديد يتسلل به التشريع من خانة التنظيم إلى خانة التحكم.
النقطة الأولى التي أثارها الحزب مسّت القاسم الانتخابي المعتمد على عدد المسجلين بدل عدد الأصوات المعبر عنها.
صيغة يعتبرها الحزب انقلاباً على المبادئ الأولية لأي عملية ديمقراطية، لأنها تُدخل غير المصوتين في قسمة المقاعد، وكأن الامتناع أصبح فعلاً سياسياً يستحق الاحتساب.
بهذه الطريقة، لا تعود صناديق الاقتراع انعكاساً للإرادة الشعبية، بل جزءاً من معادلة حسابية يمكن ضبط مخرجاتها مسبقاً.
إنها انتخابات يتم هندستها رقمياً قبل أن تُحسم سياسياً.
ويُضاف إلى ذلك إلغاء العتبة الانتخابية، خطوة يرى فيها الحزب محاولة واعية لإنتاج مشهد حزبي مفكك، مليء بأحزاب صغيرة يمكن ترتيبها بسهولة داخل خريطة قابلة لإعادة البرمجة في أي لحظة.
المشهد المبلقن يعطي انطباعاً بالتعددية، لكنه يعجز عن خلق أقطاب قوية أو معارضة مؤثرة.
وفي النهاية، يصبح البرلمان فضاءً موزعاً بين كتل لا تأثير لها، وأصوات صغرى تُستخدم فقط لملء المقاعد لا لصنع القرار.
لكن الخطر الحقيقي، كما وصفه الحزب، يكمن في المقتضيات التي تمنح الإدارة سلطات ذات طبيعة قضائية.
فالمشاريع الجديدة تسمح بإسقاط أهلية مرشحين واتخاذ قرارات زجرية قبل أي حكم قضائي نهائي.
هنا تتحول وزارة الداخلية إلى جهة تقريرية، تجمع بين دور الخصم والحَكم، وتقرر من يدخل التنافس السياسي ومن يُقصى منه. الخطوة تمسّ بشكل مباشر مبدأ فصل السلط، وتفتح الباب أمام وضع انتخابي يصعب فيه الحديث عن مساواة أو تنافس شريف.
ومع هذا المنحى، يظهر منطق “التخليق” في صيغة تُشبه العقاب أكثر مما تُشبه الإصلاح. العقوبات الموسّعة، وغموض بعض المقتضيات، قد تجعل أي خطأ بسيط سبباً لإقصاء مرشح أو إسقاط لائحة، وهو ما يحوّل التخليق من أداة لضبط الانفلات إلى أداة للضغط والتوجيه.
الحزب وصف هذا الاتجاه بأنه “سياسة جنائية انتخابية” جديدة تُقنّن الردع بدل أن تدعم النزاهة.
ولا يقف الأمر عند حدود الترشيح والتنافس، بل يمتد إلى حرية التعبير ذاتها.
فالمقتضيات المتعلقة بتجريم “التشكيك في نزاهة الانتخابات” لا تقدّم تعريفاً دقيقاً للتشكيك، ولا تحدد الجهة المخوّلة لتقييم الخبر الزائف.
هذا الغموض يحوّل النقاش الانتخابي إلى منطقة رمادية، يمكن أن يُعاقَب فيها الرأي والتحليل، ويُلاحق الصحافي والمرشح، ويُعتبر أي تعليق غير منسجم مع الخط الرسمي “تهديداً للنزاهة”. إنها لحظة يصبح فيها الكلام مخاطرة، والصمت أكثر أماناً من التعبير.
وفي ختام الندوة، ذكّر الحزب بأن أي حديث عن إصلاح انتخابي يفترض أولاً انفراجاً حقوقياً يعيد الثقة للمواطن.
المشاركة لا تُخلق بالقوانين وحدها، بل بالمناخ العام الذي يشعر فيه المواطن أن صوته له قيمة، وأن الانتقاد لا يُعاقَب، وأن الساحة السياسية ليست ميداناً مغلقاً.
ودعا الحزب إلى معالجة ملفات المعتقلين المرتبطين بالاحتجاجات، ومن بينهم شباب “جيل زد” ومعتقلو الريف، باعتبار أن الثقة السياسية تُبنى قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، لا بعدها.
بهذه القراءة، لا يرى العدالة والتنمية في مشاريع القوانين مجرد تعديلات تقنية، بل مشروعاً سياسياً كاملاً يُعاد من خلاله تشكيل المشهد الانتخابي بهدوء، بعيداً عن ضجيج النقاش العمومي. قوانين تُدار بمنطق إداري صارم، وتُمهد لانتخابات تُصنع نتائجها قبل يوم الاقتراع.
إنها لحظة سياسية حاسمة يطرح فيها الحزب سؤالاً صريحاً: هل نحن مقبلون على إصلاح انتخابي… أم على رسم خريطة سياسية جديدة بآليات محسوبة سلفاً؟
