بقلم: نعيم بوسلهام
لنضع المجاملة جانباً: الفيديو الذي نشره حميد المهدوي لمداولات لجنة الأخلاقيات لم يكن جريمة مهنية… بل كان إسقاطاً لستار النفاق عن هيئة تزعم حماية شرف المهنة بينما تمارس ما يناقضه داخل الغرف المغلقة.
الفيديو فعل ما لم تفعله البلاغات ولا الخطابات ولا الشعارات.
لقد كشف المستور.
أسقط القداسة الوهمية.
وأعاد تعريف الأخلاق المهنية بمعناها الحقيقي: لا أحد فوق رقابة المجتمع.
الفيديو لم يربك اللجنة كما يقول البعض، بل عرّى اللجنة.
وضع أعضاءها وجهاً لوجه أمام المغاربة، ليس باعتبارهم “حراس المهنة” بل كجهة تمارس السلطة دون شفافية، وتصدر الأحكام دون محاسبة.
المهدوي لم يعتدِ على السرية، بل كشف أن السرية كانت — في الأصل — غطاءً لخلل، وتدبيراً غير شفاف، وممارسة لا تريد أن تُرى.
ولأن الحقيقة موجعة، تحوّل النقاش فجأة من جوهر الفضيحة إلى جلد الرجل الذي فضحها.
من المعتاد في هذا البلد أن نلوم من كشف التجاوز، لا من ارتكبه.
فاطمة الإفريقي… موقف ضبابي في لحظة تحتاج وضوحاً
في برنامج صوت المغرب — الذي أداره بإتقان يونس مسكين — ظهرت فاطمة الإفريقي بقراءة أخلاقية تفضّل الشكل على الجوهر.
لم تدافع عن الفضيحة نفسها، بل عن حق اللجنة في أن تبقى مخفية.
خافت من “المحاكمة الشعبية” رغم أن هذه المحاكمة لم تكن سوى نتيجة طبيعية لمضمون الشريط.
الناس لم يحاكموا اللجنة لأن وجوهها ظهرت، بل لأن ما قيل داخل الجلسة كان كافياً لإدانة اللجنة أخلاقياً وقانونياً أمام الجميع.
من يملك سلطة معاقبة الصحافيين لا بد أن يتحمل ضوء الكاميرا.
أما الحديث عن السرية فهو امتياز لا يُستعمل إلا حين يكون هناك ما يجب إخفاؤه.
محمد أشماعو… حين يتكلم القانون بلغة واضحة
صوت واحد كان واضحاً في ذلك النقاش: المحامي محمد أشماعو.
رجل لم يلفّ ولم يدُر، قالها كما يجب أن تُقال: “المصلحة العامة أعلى من سريّة المداولات”.
وهذه ليست عبارة شاعرية بل قاعدة قانونية وأخلاقية.
الفصل 28 من الدستور ليس مجرد حبر على ورق، بل سلاح للمجتمع كي يرى ما يُفعل باسمه وضده.
والصحافة وُجدت لتكشف لا لتتواطأ… لتفضح لا لتغطي… لتضع النور فوق العتمة لا أسفلها.
الفيديو لم يهزّ اللجنة فقط.
بل فضحها،جرّدها من الهيبة.
ووضعها أمام القضاء والرأي العام وجهاً لوجه دون مكياج.
هذه ليست ضجة إعلامية، بل لحظة تاريخية في أخلاقيات المهنة.
لحظة قالت فيها الحقيقة كلمتها بصوت أعلى من المؤسسات.
إذا كانت اللجنة تحاكم الصحفيين، فاليوم الشعب يحاكم اللجنة.
وما فعله المهدوي لم يكن خطأً… بل كان واجباً.
فالأخلاق التي تخاف العلن… لا تستحق أن تحمل اسم الأخلاق.
والصحافة التي تغلق عينها عن الفساد ليست صحافة… بل شراكة في الجريمة.
