The Tsunami of Privileges in Marrakech: How Heritage Sites Are Sold for the Price of a Fancy Meal
في مدينة مثل مراكش، لم يعد مستغرباً أن تتحول معالم تاريخية إلى مشاريع خاصة، لكن ما كشفه محمد الغلوسي حول دار زنيبر تجاوز كل ما يمكن تخيّله.
فالمعلمة التي انتقلت ملكيتها إلى وزارة الثقافة سنة 1974 بهدف الحفاظ عليها وصيانة الذاكرة الجماعية، وجدت نفسها اليوم وقد تحوّلت إلى مطعم فاخر، لا لأنها فقدت قيمتها، بل لأن أبواب الامتياز تُفتح دائماً في الاتجاه نفسه: نحو من يملك النفوذ، بينما تُغلق بإحكام في وجه من لا يملك سوى صفة المواطنة.
الغلوسي، في تدوينة أثارت جدلاً واسعاً، لم يتحدّث عن صفقة عابرة أو عن سوء تدبير، بل عن نموذج متكامل لزواج السلطة بالمال، وعن اقتصاد ريع متخفٍّ يتسلل داخل مدينة يفترض أن تكون عاصمة التراث، لا منصة مغلقة أمام شبكات النفوذ.
دار زنيبر، كما وصفها الغلوسي، ليست مجرد بناية؛ إنها عنوان لمرحلة جديدة يُعاد فيها تدوير السلطة في شكل امتيازات، وتُمنح فيها “الفرص الذهبية” لجهات تُخلق في اللحظة المناسبة.
ما كشفه الغلوسي كان صادماً: إفراغ سريع ومفاجئ لرجال القوات المساعدة، ثم تفويت العقار لشركة يصفها بـ”الغامضة”، شركة دون سجل استثماري، دون رأسمال حقيقي، ودون حتى عنوان مضبوط.
ورغم هذا الفراغ، حصلت الشركة على امتياز استغلال معلمة تراثية كاملة بثمن لا يليق حتى بمحل تجاري صغير: 76 ألف درهم فقط في السنة.
رقم يكشف كل شيء دون حاجة إلى تعليق، ويحوّل دار زنيبر إلى ما سمّاه الغلوسي بـ”البقشيش العقاري” الذي لا يُمنح إلا لذوي الامتياز.
الغلوسي يربط هذه العملية بسياق أوسع. فدار زنيبر، في نظره، مجرد حلقة ضمن سلسلة طويلة: شركات بلا خبرة تتحول فجأة إلى مستثمرين، عقارات عمومية تُمنح بثمن رمزي، مشاريع خفية تُدار في صمت، وصفقات تمرّ دون أن يرد اسمها في أي نقاش رسمي.
كل ذلك يجري كما لو أن التنمية آخر ما يفكر فيه البعض، وأن الهدف الحقيقي هو تحويل المرفق العمومي إلى فرصة خاصة، واستعمال السلطة كدرج سريع نحو الثراء.
ويذهب الغلوسي أبعد من ذلك حين يتحدث عن تسونامي فساد يضرب جزءاً من المشاريع العمومية بمراكش. فالخطر، في نظره، لا يكمن فقط في تحويل معلمة تاريخية إلى مطعم، بل في تحويل القرار العمومي نفسه إلى أداة للاغتناء، وفي جعل المسؤوليات العمومية جزءاً من هندسة اجتماعية تُفرز أثرياء جدداً كل سنة، تماماً كما تحتفي بهم تقارير الثروة الدولية.
التدوينة تلمّح أيضاً إلى ما وصفه الغلوسي بـ“المناظرة المؤجلة”، حيث تشبه العلاقة بين بعض شبكات النفوذ والمال عرساً أسطورياً تُدفن فيه التنمية، ويُهمّش فيه المواطن، وتُدفن فيه المشاريع العمومية تحت ثقل الحسابات الخاصة.
ما بين السلطة التي تملك القرار، والمال الذي يبحث عن شرعية، تظهر مدينة كاملة تُسحب من أهلها طبقة طبقة.
ويختم الغلوسي تدوينته بعبارة حملت الكثير من الرسائل: “نحن مناضلون أحرار… ولسنا لصوصاً.”
جملة ليست دفاعاً عن النفس بقدر ما هي إعلان لمعركة مفتوحة ضد تحويل التراث إلى رأسمال خاص، وضد تمدد “اقتصاد الريع” داخل المدينة.
قضية دار زنيبر، كما قدّمها الغلوسي، ليست حادثة معزولة، إنها تكشف هشاشة طرق تفويت العقار العمومي، وانعدام الشفافية في تقييم المشاريع الاستثمارية، وغياب رؤية حقيقية لحماية التراث من التسليع، وقدرة شبكات النفوذ على تحويل القانون إلى أداة للامتياز بدل أن يكون أداة للعدالة.
ليست قصة مطعم فاخر، بل قصة مدينة تُعاد صياغتها وفق منطق نفوذ يزداد شراسة كلما اقترب من العقار العام.
