لم يكن خطاب عبد الإله بنكيران في جهة مراكش–آسفي اليوم مجرد لقاء حزبي، بل أشبه بمحكمة سياسية مفتوحة، جلس فيها الرجل ليقدّم مرافعة طويلة ضد رئيس الحكومة عزيز أخنوش وفريقه، مستعملاً كل أدواته القديمة: السرد، الحكاية، الاستشهاد الديني، ثم الضرب المباشر نحو قلب السلطة التنفيذية.
وبين كل جملة وأخرى، كان بنكيران يعيد بناء سياق كامل: خمسون سنة من مسار الدعوة والسجن والمصالحة مع الدولة والملكية، ليست كمذكرات شخصية، بل كخلفية يريد أن يقول من خلالها إنه ليس سياسياً يبحث عن منصب، بل رجل يعتبر السياسة واجباً لا يمكن تركه ما دام الظلم قائماً والفساد ممدود اليد داخل المؤسسات.
هذه الخلفية هي التي بنى عليها نقده العنيف لأخنوش.
فالرجل الذي دافع عنه سابقاً كوزير للفلاحة، واعتبره «ناجحاً» في قطاعه، هو نفسه الذي يقدّمه اليوم كرجل أعمال ضخم «غارق في الثروة»، لا يملك القدرة السياسية ولا الحس الأخلاقي الضروري لإدارة حكومة في ظرف اجتماعي وسياسي خطير.
بنكيران يعترف أنه هو من أصرّ على دخول التجمع الوطني للأحرار إلى حكومته، وأنه لم يتلقَّ أي ضغط من القصر لفرض أخنوش أو مولاي حفيظ العلمي عليه؛ لكنه يستعمل هذا الاعتراف الآن كسلاح ضده: إذا كان الرجل ناجحاً في الفلاحة، فلماذا صار اليوم عنواناً للأزمة؟ وإذا كان وزيراً فعالاً، فلماذا تحوّلت رئاسته للحكومة إلى مرادف للارتباك والقرارات المتناقضة والشبهات الثقيلة؟
بالنسبة لبنكيران، المسألة لم تعد مجرد اختلاف سياسي.
حكومة أخنوش، في نظره، فتحت الباب واسعاً أمام أشكال غير مسبوقة من الريع وتضارب المصالح، وضيّعت ما تحقق من إصلاحات مالية واجتماعية في حكومته السابقة.
الدليل الأول عنده هو «الدعم المباشر».
ليس لأن الفكرة سيئة، بل لأن تنفيذها كارثي: أرامل فقدن نصف ما كنّ يتقاضينه، طلبة ضاعت تغطيتهم الصحية، وأسر أصبحت رهينة مؤشرات تقنية وتطبيقات باردة لا تراعي الواقع.
بنكيران لا يعترض على دعم الفقير، لكنه يقول إن الحكومة أفسدت ما كان قائماً، وأن الإصلاح الاجتماعي لا يعني أن تمنح 500 درهم وتنسى أنك حطمت حياة آلاف الأسر التي كانت تستفيد من برامج سابقة.
الحكم، في منطقه، ليس إعلاناً دعائياً، بل توازناً دقيقاً بين المال والكرامة.
ومن الدعم إلى المقاصة، ينتقل بنكيران ليذكّر بأحد أوراقه الأقوى: أنه هو من أوقف نزيف صندوق المقاصة، وأنه أنقذ خزينة الدولة من انهيار محقق.
لم ينكر أن الإصلاح كان مؤلماً، لكن ما يهمّه اليوم هو أن الحكومة التي ورثت وضعاً أفضل، لم تستطع تحويل ذلك إلى مكتسب اجتماعي مستدام، بل عادت إلى سياسات ترقيعية جعلت فاتورة الغاز تنفجر إلى أكثر من 40 مليار درهم، دون رؤية ولا شجاعة للقول إن هناك بدائل أكثر عدالة من دعم الغني والفقير بالمنطق نفسه.
ثم تأتي واحدة من أخطر النقاط: ملف تحلية مياه الدار البيضاء، بنكيران يقدّم رواية سياسية لا يمكن تجاهلها: رئيس الحكومة طلب دعماً عمومياً بنحو 2.6 مليار درهم لمشروع التحلية.
اللجنة الاستثمارية وافقت. المعارضة فحصت الملف واعتبرته بلا مبرر.
وفجأة، عاد أخنوش وقال إنه لن يأخذ الدعم،بالنسبة لبنكيران، هذا التراجع ليس «استقامة»، بل خطوة متأخرة جاءت بعد افتضاح الأمر.
الرجل يسأل عن الوثيقة التي تثبت إلغاء الطلب، وعن سبب عدم الاعتذار، وعن غياب أي تفسير رسمي.
هو لا يقول إن هناك فساداً جنائياً، لكنه يبني «شبهة سياسية» واضحة: إذا كانت هناك نية للحصول على دعم غير مستحق، فإن التراجع لا يمحو أصل الإشكال، بل يثبت وجوده.
الضربة التالية تأتي من ملف الأضاحي و«الفرّاقشية».
الحكومة ضخت أموالاً ضخمة لدعم القطيع وتسهيل العيد على المواطنين.
لكن النتيجة كما يصورها بنكيران كانت كارثية: مغاربة عاشوا عيداً بلا حولي، كسّابون حصلوا على الدعم ثم باعوا بأسعار السوق، ووزارة الفلاحة اكتفت بتبريرات تلفزية لا تلمس الواقع.
لأمة تعتبر العيد طقساً اجتماعياً مقدساً، كان هذا «جرحاً عميقاً» في علاقة الدولة بالمجتمع. حكومة تقول إنها «اجتماعية» ثم تفشل في أهم مناسبة اجتماعية للمغاربة؟ بالنسبة لبنكيران، هذا وحده يكفي لإدانة النموذج كله.
ثم يدخل إلى ملف لا يقل حساسية: الأدوية.
يربط، بلغة سياسية لا قضائية، بين وجود وزير تعليم له مصالح تجارية سابقة، وبين قفزة معاملات إحدى الشركات من 50 مليوناً إلى 560 مليوناً في ظرف سنة، وبين قرارات حكومية خفضت الرسوم الجمركية من 40% إلى 2.5% أو إلى صفر.
بالنسبة له، هذا ليس اتهاماً مباشراً، بل طرح سؤال: كيف يمكن للمواطن أن يثق في قرارات حكومية تمس قطاع الأدوية، بينما أصحاب القرار لهم امتدادات اقتصادية داخل القطاع نفسه؟ السؤال يكفي، الشبهة وحدها تهدم المصداقية.
ويذكّر بنكيران بما اعتبره أخطر لحظة في عهد حكومة أخنوش: احتجاجات جيل Z.
بالنسبة له، هذه اللحظة كانت قاب قوسين من أزمة كبيرة، وربما بداية انفلات اجتماعي خطير. تدخل بصفته زعيماً سياسياً، ودعا الشباب إلى التراجع احتراماً لخطاب الملك.
لكن في المقابل، يلمّح إلى غياب رئيس الحكومة، وانعدام تواصله، وعدم قدرته على مخاطبة جيل جديد لا يفهم لغة الشعارات الرسمية.
الاستقرار، كما يقول، ليس شيئاً يُفترض، بل شيء يُحمى، وحكومة لا تفهم الشارع لن تستطيع حماية بلد في لحظة تاريخية مضطربة.
وفي النهاية، يوجّه خطاباً مباشراً للدولة ووزارة الداخلية: الانتخابات المقبلة ليست لعباً، واستعمال المال خطر على الديمقراطية، وتجاوز إرادة الناخبين لن يؤدي إلا إلى فتح الباب أمام التوتر.
بنكيران لا يطلب «معروفاً» من الدولة، لكنه يطالب بعدم التدخل ضده، ويذكّر بأن ما حدث في 2021 لم يكن عادياً، وأن الشعب وحده هو من يقرر، لا المال ولا الإدارة.
بهذا الخطاب، لا يعلن بنكيران حرباً شخصية على أخنوش، بل يحاول إسقاط «أسطورة الوزير الناجح» التي استُعملت لتسويق حكومة مبنية على رجال الأعمال والمشاريع الكبرى.
هو يعيد النقاش إلى جذوره: من يحكم في المغرب؟ وبأي منطق تُصنع السياسات؟ وما هي حدود التداخل بين السلطة والثروة؟ وما هو ثمن الفساد والريع حين يتحولان إلى نمط تسيير؟
خطاب مراكش لم يكن مجرد خروج جديد للرجل؛ كان إعادة ترتيب للمعركة المقبلة، وكتابة مقدمة سياسية واضحة: مواجهة نموذج حكومي يعيش على الريع والقرارات غير الشفافة، بنموذج آخر يقدّم نفسه كبديل إصلاحي، حتى لو أثار غضب السلطة والمال.
بنكيران لم يسقط أخنوش بعد، لكنه بدأ فعلاً عملية تفكيك صورته، حجراً بعد حجر، أمام جمهور واسع يشعر أن الحكومة الحالية لا تسمع، ولا ترى، ولا تريد أن تفهم.
