محمد بوشيخي: باحث متخصص في الإسلام السياسي وقضايا التطرف والإرهاب
نشر عدة أبحاث حول إشكاليات الإيديولوجيا والدين، والدولة المدنية، وتحديات الحداثة، والمؤسسة الدينية، والتعليم الديني، والسلفية الإسلامية، وغيرها.
كما أعدّ دراسات وتقارير تناولت تلاوات الصراعات الطائفية، والإرهاب، والتحولات الأمنية المرتبطة بالمدّ الجهادي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وموضوعات أخرى عبر العالم.
مقدمة
السلفية، بحسب الباحث، لم تستقرّ على ماهية واحدة؛ إنها انشطارات إلى سلفيات تعرّف عن نفسها من خلال حزمة أفكار ومفاهيم وتصورات متعددة الأبعاد تمتدّد عبر الزمان والمكان، وليس بفعل عوامل التاريخ وظروف المجتمع وإكراهات السياسة.
وأمام تعرّفها بطرق شتّى، يقترح فحص مقولاتها وتتبع مساراتها والوقوف عند تفرعاتها ضمن شروطها التاريخية والسياسية كما هي في سياق حركتها وتفاعلاتها، وذلك حتى يتسنّى عرض تصورها وأصوليّ نظرتها في أفق تفكيك سلفياتها ومسائلة منطقها الخاص، عوض البحث في ماهيتها.
لذلك يعمد الباحث في دراسته لموضوع الكتاب بتناول العناصر الأساسية في التراث السلفي، والتي يشكل استيعابها شرطًا لفهم منظومة السلفية المعاصرة ومفارقاتها؛ والتي تتحمل في شقاق المرويات والفقهاء ومحنة أهل الحديث، والتشكل الملبس للمذهب الحنبلي ثم النزعة التجديدية لشيخ الإسلام ابن تيمية التي صبغتها القراءات الانتقائية لفكره.
تطور الفكرة السلفية
وعلى مستوى استعراض إشكالياتها، يتوقف الكاتب عند التطورات اللاحقة للفكرة السلفية بدءًا من صعود تيار المحدثين الهنود منذ القرن التاسع الهجري، وبداية ارتباطهم بالدعوة التجديدية المتمردة جذريًا في السعودية، خاصة خلال حالة العلامة المحدث إسماعيل بن عبد الغني الهندي (1193–1264هـ/1779–1831م)، الذي اعتبره الباحث مدخلاً أوليًا إلى التحول الحنبلي السعودي، الخاضع لهيمنة أخلاف دعوة محمد بن عبد الوهاب المعروفين.
هذه الهيمنة افتتحت أطول فترة في التاريخ العقائدي للتيار السلفي عبر زياراتهم للهند، وإقامة بعض علمائهم هناك لنشر العقيدة الوهابية.
ويرى الباحث أن هذه الإقامات أعطت شرعية جديدة لخطاب أهل الحديث الحنبلي، وقدمت لهم الفرصة الذهبية لتواضعها إلى مركز العالم الإسلامي بعد أن أصبحت هيئة العلماء الفقهية على فضاء الإسلام السني قوة مؤثرة في تفاصيله.
وأهم ما برز بعد ظهور هذا الجيل من المحدثين الهنود، أنّ النقاد أطلقوا عليهم اسم “المحدثين الإيجابيين”، وذلك لكونهم أحدثوا نقلة نوعية في إحياء التراث الحديثي، والتقليل من شأن الفقه التقليدي.
كما أن كتاباتهم الكثيرة، التي انصبت على نقد المرويات وصحة الأسانيد، عززت من مكانتهم في العقل الإسلامي السني، وأعادت تشكيل رؤية معرفية جديدة.
ويحسب الباحث أنّه دائماً مثلت ولادة مدرسة “المحدثين الإيجابيين”، التي شكل محمد الدهلوي ومحمد ناصر الدين الألباني أبرز رجالاتها، هزة قوية لبوابات السلفية التقليدية، بإحياء إشكاليات عميقة بنقاش علاقة القرآن بالسنة، التي تتمثل في القول بحجية خبر الآحاد في العقائد وقوته في نسخ القرآن وتكفير من رده.
السلفية الحركية والتحول الجهادي
كما مثّل ظهور “المثقف التصحيحي”، ممثلاً في سيد قطب، الذي طوّر فكرًا جديدًا يربط الرؤية الجهادية بالأصول العقائدية، ثورةً على “السرديات” السلفية و”البراغماتية” الإخوانية؛ بصياغة منهج تفسيري قائم على قاعدة رئيسية تتمثّل في “التلازم بين النمو الحركي والنمو النظري”، وقواعد فرعية ثلاث تتمثل في “رفض الفقه” و”الجهاد منتجًا للفقه” ثم “مرحلة أحكام الشرعية”.
فيما أحْرز خطاب الألباني نوعًا من التطابق مع القطبية على مستوى تحليل الواقع والتفاعل على مستوى تفسيره، والتطابق على مستوى التحليل تمثّل في استعادة الألباني لمفاهيم “الجاهلية” و”الحاكمة” و”المفاصلة”، وتوظيفها بمنسّة سلفية.
أما التفاعل على مستوى التغيير فتمثّل في تبنّي الألباني لمفهوم زرع “العقيدة المصورة”، جعلها تتماهى مع مفهوم قطب لـ”الجيل القرآني الفريد”.
هذا التطابق والتفاعل حفّز أفراح الجهاديين على الاجتهادات الحديثية وتبني المنهجية السلفية في التعامل مع السنة، ولهذا منحت الألبانية للتنظيمية القطبية مشروعية دينية لم تكن تمتلكها.
ولهذا تفاعلت النزعات الجهادية مع العلم السلفي، السلفي التوجّه، الذي إن كان تمسّك بالأبْهات الايدولوجية، فإنّ الفتح الحركي للجماعات الجهادية على الدعوة السلفية توسعت المراجع السلفية في المدونة الجهادية، وترسخت سلطتها بترات الدعوة النجدية، كما أقْبلوا على فكر قطب، بوصف تميزه عن الشرعية الدينية وليس فقط خطابات ابن تيمية الجيولوجية؛ فانتقل القرار الجهادي من الصيغة الحركية إلى الصيغة السلفية، وتولت الوكالات الأولى لعمليات “التهجين” التي شكلت السلفية الجهادية.
ورغم جهود “التأصيل” لدى دعاة “السلفية الجهادية”، فإنّ عوامل الشقاق والافتراق ظلّت حاضرة في رؤيتها بسبب التباينات بين مكوناتها الأساسية للسلفية: السلفي، الألباني من جهة، والحركي القطبي من جهة أخرى.
وهو ما انعكس في الصراع بين دعاتها بين جدلياتها الشرعية السلفية وقياساتها الميدانية العملية القطبية، وتبدو في استخفاف الجهاديين بالعالم الشرعي وإيمانهم بسمو المقاتل على العالم لقناعتهم بمقولة “لا يبقى قاعد لمجاهد”، “حتى أصبح الجهادي فقيه نفسه” بعد أن ألبس رتبته بـ”القطيعة الشرعية” و”التوسل بالمرجعية”.
