لم يأتِ تسريب تقارير المجالس الجهوية للحسابات في هذا التوقيت صدفة، ولا يمكن التعامل معه كخبر إداري عابر.
ما خرج إلى العلن يشبه فتح ثقب صغير في جدار كبير يخفي وراءه ما هو أخطر من مجرد خروقات تقنية؛ إنه يكشف طريقة اشتغال موازية لإدارة الأملاك الجماعية، تتجاوز القانون وتشتغل بذكاء الظل، حيث تنتقل العقارات من ملك عمومي إلى جيوب خاصة دون أن يرفّ للجماعات جفن، ودون أن تتدخل السلطات الترابية إلا حين يصبح التدخل بلا معنى.
كشفت مصادر إعلامية أن اللجان التي انتقلت إلى جماعات الدار البيضاء–سطات،
الرباط–سلا–القنيطرة، وبني ملال–خنيفرة لم تجد فقط مقررات معيبة أو مساطر ناقصة، بل وجدت أثر نظام كامل من التحايل: تفويتات مباشرة تجري خارج المساطر، كراءات بلا مزايدات، واحتلالات مؤقتة تُفصَّل كما تُفصَّل البدلات على مقاس المستفيدين.
والأغرب أن بعض الولاة والعمال، الذين يُفترض أن يكونوا الحاجز الأول أمام أي انحراف، اختاروا الصمت أو “تأجيل الملاحظة”، وكأن الأمر لا يعنيهم.
وتؤكد المصادر نفسها أن نظام المزايدة الذي شددت عليه وزارة الداخلية منذ صدور القرار المشترك رقم 3712.21 ظل حبراً على ورق في عدد من الجماعات.
فرغم أن القانون واضح: لا تفويت ولا كراء ولا احتلال مؤقت بدون مزايدة ودفتر تحملات، إلا أن التقارير تكشف أن بعض المجالس وجدت “المخرج السهل”: التحايل عبر التفويت المباشر، وتمرير وثائق غير مكتملة تُدرج في جداول أعمال دورات تمرّ فيها القرارات كأنها بروتوكول إداري لا ملايين الدراهم التي تختبئ وراءها.
وتوضح المصادر أن تقارير قضاة الحسابات سجّلت غياب الملاحظات الإدارية في ملفات تفتقد للحد الأدنى من الشروط القانونية، فيما لجأ بعض العمال في حالات معدودة إلى رفض التأشير على نقط مشبوهة، خصوصاً في ضواحي الدار البيضاء، حيث حاولت مجالس تحويل عقارات جماعية إلى ملكيات خاصة عبر أبواب جانبية.
هذا التفاوت بين الصمت أحياناً والرفض أحياناً هو ما خلق المجال الذهبي للتحايل: مساحة رمادية تُستغل بذكاء شديد.
كما كشفت نفس المصادر أن تقارير للمفتشية العامة للإدارة الترابية سبق أن رصدت خروقات مشابهة: رؤساء جماعات تجاهلوا مقتضيات القانون 57.19، لم يمسكوا سجل الأملاك كما يجب، لم يحيّنوه، وقفزوا على الخبرة الإدارية وعلى المزايدة القانونية، وكأن العقار الجماعي مجرد “احتياطي انتخابي” أو رصيد يمكن إعادة توزيعه بالطريقة التي تشاء الشبكات المحلية.
بهذا الشكل تتشكل تدريجياً خريطة الريع الجماعي: طلبات من أفراد وشركات تُدرج في جدول الأعمال دون سياق واضح، مقررات غامضة تمرّ بأغلبية صامتة، صفقات تبدو قانونية في ظاهرها لكنّ روح القانون ماتت قبل توقيعها.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يحرج الجميع: إذا كان القانون يقول المزايدة، فمن الذي منح لنفسه حق البيع المباشر؟ ومن الذي سمح له بذلك؟
فالصدفة لا تُنتج هذا المستوى من التطابق بين الخروقات عبر جهات مختلفة. الصدفة لا تمرّر العقار نفسه عبر المسطرة نفسها في ثلاث ولايات ترابية مختلفة.
الصدفة لا تجمع مقاولين، منعشين، موظفين جماعيين متقاعدين، ومقربين من رؤساء جماعات في نفس “الامتيازات العقارية”.
ما نراه اليوم هو منظومة توزيع صامتة، تتقاطع فيها مصالح انتخابية مع علاقات مالية، وتشتغل تحت رادار القانون، وأحياناً تحت رادار السلطة كذلك.
والمغرب الذي يناقش النموذج التنموي الجديد لا يمكنه غضّ الطرف عن سؤال مركزي: كيف يمكن بناء الشفافية والحكامة، ما دامت الأملاك الجماعية وهي رأسمال المواطنين تتحول إلى غنائم تُدار بعيداً عن القانون؟
التقارير الأخيرة ليست نهاية القصة، بل بدايتها فقط.
فخلف كل مقرر “مُعيب” هناك مستفيد، وخلف كل تفويت مباشر هناك شبكة، وخلف كل صمت إداري هناك سؤال أكبر من مجرد المسطرة.
وإذا بقي الوضع كما هو، فلن يكون السؤال: “من فوّت العقار؟”
بل: من فوّت القانون نفسه؟
