وسط الجدل المتصاعد بين عبد الله البقالي ويونس مجاهد، يبدو أن أصل القضية يتبخر تدريجياً: ما الذي كشفه الفيديو المسرّب فعلاً عن لجنة يُفترض أنها الحارسة العليا للأخلاق المهنية؟ وما الذي قاله الطرفان دون أن يقترب أي منهما من جوهر المشكلة؟
الخرجة المطوّلة التي قدّمها عبد الله البقالي ركّزت على ما اعتبره “استهدافاً” للمهداوي في مسطرة البطاقة، ثم على تتابع الشكايات، ثم على انسحابه من اجتماع اللجنة.
وردّ عليه يونس مجاهد بهدوء محسوب، مقدماً رواية يعتبرها “تصحيحاً للمعطيات وليس سجالاً شخصياً”. ومع ذلك، ورغم كثافة التفاصيل، لم يلمس أيّ من الرجلين السؤال الحقيقي الذي فجّر الأزمة: كيف يمكن للجنة الأخلاقيات أن تستعمل خطاباً لا أخلاقياً داخل مداولاتها؟
مجاهد قدّم سلسلة توضيحات تقنية: المهداوي لم يكن مستهدفاً بل ربح شكايتين من أصل ثلاث، لجنة الأخلاقيات اشتغلت وفق القانون، الإحالة الذاتية استُعملت كثيراً، والقرار المتعلق بالبطاقة لم يكن انتقائياً بل قاعدة اقترحها البقالي نفسه وقبلتها الجمعية العمومية.
وحتى حين تطرّق للمسطرة الاستثنائية، ذكّر بأن المجلس رفض سلوكها احتراماً لحق الطعن، هذه المعطيات كلها تضع النقاش في إطار واحد: قانونية الإجراءات.
لكن ما لم يقله مجاهد وما لم يقله البقالي أيضاً هو أن النقاش الحقيقي لا يدور حول القانون، بل حول اللغة. فالفيديو المسرّب، الذي هزّ القطاع والرأي العام، لم يُظهر طريقة التصويت داخل اللجنة ولا تفاصيل الإحالة ولا محتوى الملفات.
الذي فجّر الغضب هو شيء واحد: الطريقة التي كان يتحدث بها أعضاء اللجنة داخل اجتماع تأديبي. نبرة تهكم، تعابير تقلل من قيمة أطراف النزاع، ومشاهد توحي بأن الجلسة أقرب إلى دردشة مرتبكة منها إلى مؤسسة تبتّ في ملفات حساسة، هذا هو لبّ الموضوع، وهو ما تجنّبه الطرفان تماماً.
في رده، قال مجاهد إن ما ورد في الاجتماع كان “في سياق توتر وضغط”، وإن الأعضاء “يقرّون بأن بعض العبارات لم يكن ينبغي أن تُقال”.
واقتصر على اعتذار مهني لتجاوز آثار الفضيحة، دون أن يفسر كيف وصلت لجنة مكلفة بتصحيح الخطاب إلى إنتاج خطاب أسوأ مما تريد تصحيحه، أو كيف تُحاسب الصحافي على كلمة بينما كلماتها الداخلية تكسر المعايير التي تنصّ عليها.
وبينما ركّز البقالي على الاستهداف، وركّز مجاهد على المساطر، ظلت نقطة واحدة معلّقة: هل كانت تلك المداولات حادثاً عرضياً أم تعبيراً عن ذهنية مؤسسية؟ هل هي استثناء… أم قاعدة؟
الرأي العام لم ينشغل بملف البطاقة بقدر ما انشغل بمشهد لجنة الأخلاقيات وهي تتحدث بطريقة لا تشبه اسمها.
والمهنيون لم يتجادلوا حول “الدخل الرئيسي” بقدر ما اهتزّوا وهم يشاهدون الهيئة التي تُراقب الخطاب وهي نفسها تنزلق في خطاب متشنج.
أما المواطن البسيط فلم يكن يهمه إن كان القرار قانونياً أو لا، بقدر ما صدمته الصورة: اللجنة التي تحاسب غيرها، لا تحاسب نفسها.
ما قاله مجاهد مهم من زاوية المساطر، وما قاله البقالي مهم من زاوية الشهادة الداخلية. لكن كليهما لم يقترب من جوهر الأزمة: أن لغة معينة أصبحت مسموحاً بها داخل مؤسسة كانت تُقدَّم باعتبارها الحصن الأخلاقي للمهنة.
وما تسرّب لم يحرج شخصاً واحداً، بل أحرج بنية كاملة. ومع ذلك، يبدو النقاش متجهاً نحو إعادة ترتيب الروايات لا نحو مواجهة الحقيقة: أن لجنة الأخلاقيات نفسها أصبحت موضوعاً للأخلاقيات.
قد يختلف البقالي ومجاهد في التفاصيل وفي تقييم النوازل والقرارات، لكنهما اتفقا – دون قصد – على شيء واحد: ترك جوهر الفضيحة دون جواب.
أما الجواب الحقيقي، فيتردد اليوم في كل الوسط الصحافي: إذا كان خطاب اللجنة بهذا الشكل… فمن يحاسب من؟
