The Gap Between the Official Economy and Lived Reality… A Divide No Discourse Can Bridge
بينما أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى بايتاس، عن “تحسّن مهم” في المؤشرات الاقتصادية و“نجاح ملحوظ” في ضبط التضخم، بدا الخطاب الحكومي أقرب إلى محاولة لطمأنة الرأي العام منه إلى قراءة شاملة لواقع اقتصادي واجتماعي معقّد.
فالمشهد الوطني اليوم لا يُقاس فقط ببيانات المندوبية السامية للتخطيط، بل بما يتجلى في حياة المواطنين اليومية؛ وهناك تحديداً تتبدّى الفجوة بين الاقتصاد الرسمي كما يرد في التصريحات، والاقتصاد المعيشي كما يُختبر في الأسواق، والمستشفيات، وفواتير الأسر.
فعلى الرغم من تسجيل الناتج الداخلي الإجمالي ارتفاعاً خلال سنة 2024، يظل السؤال المحوري مطروحاً:
هل يعكس هذا الارتفاع تحوّلاً نوعياً في الإنتاجية والاستثمار، أم أنه مجرّد انعكاس موسمي لتحسّن قطاعات هشّة وعلى رأسها الفلاحة؟
فالنمو الذي يرتكز على قطاعات قابلة للتقلب لا يشي بتحوّل اقتصادي حقيقي، بل يعيد إنتاج الهشاشة ذاتها التي لطالما طبعت الاقتصاد المغربي.
أما “التحكم في التضخم”، كما تقدّمه الحكومة، فلا ينفصل عن تجربة الأسر التي لم تلمس انخفاضاً فعلياً في تكلفة المعيشة.
فأسعار المواد الأساسية ما تزال مرتفعة مقارنة بمستويات ما قبل موجات الغلاء، والقدرة الشرائية لم تتحسن رغم المؤشرات الرسمية التي تميل نحو الاعتدال.
وهذا التباين يكشف حدّاً واضحاً بين لغة الاقتصاد الكلي ولغة الاقتصاد اليومي.
وفي الجانب الصحي، جاء إعلان الحكومة عن انطلاق المجموعات الصحية الترابية بوصفه “إصلاحاً هيكلياً غير مسبوق”.
غير أن الانتقال إلى الجهوية الصحية، رغم أهميته المبدئية، يظل رهيناً بتحديات ثقيلة: نقص الموارد البشرية، هشاشة البنية الاستشفائية، وتفاوتات مجالية عميقة.
فالتحول الإداري وحده لا يكفي لإحداث قفزة نوعية في جودة الخدمات، ما لم يُرفَق بتمويل مستدام، ورؤية تنفيذية دقيقة، وآليات حوكمة تخضع للمساءلة.
أما التجربة النموذجية في جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، فعلى الرغم من نجاحها التنظيمي، فإن غياب تقييم مستقل يجعل من الصعب قياس أثرها الحقيقي على الإنصاف المجالي وجودة الرعاية.
ومن دون هذا التقييم، يبدو التعميم الوطني خطوة تتجاوز المعطيات المتاحة أكثر مما تستند إليها.
وفي المحصلة، تبدو الرواية الحكومية المتفائلة جزءاً من معركة رمزية لفرض سردية إيجابية قبيل مرحلة سياسية حساسة؛ غير أنّ الواقع الاجتماعي والاقتصادي يصوغ سردية أخرى لا تقل قوة، وإن كانت أقل حضوراً في الخطاب الرسمي.
فالمؤشرات الاقتصادية تظل ضرورية لفهم الاتجاه العام، لكنها لا تكشف سوى نصف الصورة؛ أما نصفها الآخر فيظهر في جيوب المواطنين، وأسعار المواد الأساسية، ومستوى الخدمات العمومية، والتفاوتات المجالية.
وما لم تتقاطع الروايتان الرسمية والواقعية ستظل الهوّة قائمة بين اقتصاد يُقاس بالأرقام واقتصاد يُقاس بالمعيش اليومي؛ وهي هوّة لا يجسرها خطاب مهما بلغ من الإتقان اللغوي أو التناسق التقني.
