لم يعد التقرير السنوي لـ ,”المجلس الأعلى للحسابات”, مجرد جرد روتيني للأرقام والمعطيات المالية، بل تحوّل إلى تشخيص مؤسساتي حاد يضع الحكومة أمام مرآة واقع جبائي معقّد، كاشفاً عن اختلال بنيوي يفرغ مفهوم “الدولة الاجتماعية” من محتواه قبل أن يترسخ فعلياً.
فالنقاش حول كلفة الإعفاءات الضريبية لم يعد محصوراً في منطق الأرقام، بل أصبح مدخلاً مركزياً للمساءلة القانونية والمؤسساتية حول كيفية تدبير الموارد العمومية وتوزيع الأعباء الجبائية.
إن استمرار نزيف صامت للمالية العمومية بمليارات الدراهم، في ظل عدم تفعيل مقتضيات المادة 8 من القانون الإطار المتعلق بالإصلاح الجبائي، يطرح تساؤلات جوهرية حول منطق السياسات التحفيزية المعتمدة.
فهذه المادة تلزم الحكومة بإجراء تقييم دوري للإعفاءات الضريبية قصد الإبقاء عليها أو مراجعتها أو حذفها، غير أن غياب هذا التقييم المنهجي يحوّل التحفيزات، التي يُفترض أن تحرك عجلة الاقتصاد وتخلق فرص الشغل، إلى آليات امتياز جبائي تستفيد منها فئات محدودة دون وضوح كافٍ بشأن مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال الشفافية كعنصر مفقود في النقاش العمومي، إذ يظل الرأي العام محرومًا من معطيات عمومية مجمّعة تبيّن طبيعة القطاعات والفئات المستفيدة من هذه الإعفاءات، وحجم الكلفة التي تتحملها الخزينة مقابلها.
فغياب صورة واضحة حول القيمة المضافة الحقيقية لهذه الامتيازات يجعل من الصعب تبرير استمرارها، خاصة في ظل خطاب رسمي يرفع شعارات ترشيد النفقات وتوسيع الوعاء الضريبي.
هذا الغموض لا يقتصر على ملف الإعفاءات، بل يمتد إلى الإصلاحات المرتبطة بالضريبة على الشركات، والضريبة على الدخل، والضريبة على القيمة المضافة، حيث سجّل المجلس غياب تواصل مؤسساتي واضح بشأن آثار هذه التحولات، سواء المحققة أو المتوقعة.
وبينما يُطالب المواطن الصغير بمزيد من الانخراط والامتثال الجبائي، تظل انعكاسات هذه الإصلاحات على تنافسية المقاولات الكبرى والقدرة الشرائية غير مقروءة بالشكل الكافي، ما ينعكس سلباً على منسوب الثقة في المسار الإصلاحي ويضعف قابلية انخراط الملزمين فيه.
ولا يقل تأخر إصلاح جبايات الجماعات الترابية دلالة على هذا الارتباك، خاصة مع اقتراب الأجل القانوني لتنزيل مقتضيات القانون الإطار.
فالتماطل في تبسيط القواعد الجبائية المحلية وترشيد الرسوم شبه الضريبية يعكس ارتباكاً واضحاً في ترتيب الأولويات الإصلاحية ذات البعد المجالي، ويُفرغ الوعود المتعلقة بالعدالة الترابية من مضمونها العملي، في وقت تعاني فيه الجماعات من هشاشة مواردها وضعف قدرتها على تمويل التنمية المحلية.
إن ما يكشفه تقرير المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن اختزاله في تعثر تقني أو تأخر إداري، بل يعكس اختلالاً أعمق في منطق الحكامة الجبائية، حيث تستمر كلفة السياسات العمومية دون قياس دقيق لأثرها، وتُمنح الامتيازات دون وضوح كافٍ بشأن معايير الاستفادة وجدواها، في مقابل تشديد المراقبة على دافع الضرائب العادي.
وفي هذا السياق، يظل السؤال الجوهري مطروحاً بإلحاح: كيف تُوزَّع الكلفة الجبائية؟ وبأي منطق تُمنح الامتيازات؟ وبأي أثر اجتماعي واقتصادي يمكن تبريرها في دولة ترفع شعار العدالة الاجتماعية؟
