لم يكن عرض زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، اليوم أمام البرلمان مجرد محطة تقنية لتلاوة الأرقام، بل لحظة مؤسساتية قوية كشفت عمق الاختلال الذي وسم تدبير برامج التنمية الترابية لسنوات.
فالإقرار بتنفيذ 9% فقط من الغلاف المالي لاتفاقيات وُقّعت في إطار الرعاية الملكية يعكس، بوضوح لافت، المسافة الواسعة بين طموحات الدولة كما صيغت على الورق، وقدرة جهازها التنفيذي على تحويل تلك الطموحات إلى منجزات ملموسة.
إن الحديث عن 16,6 مليار درهم فقط من أصل 184 مليار درهم لا يشي بعجز مالي بقدر ما يفضح ارتباكاً مزمناً في التخطيط، حيث تُعلن برامج بسقوف مالية مرتفعة دون أن تستوفي شروط الواقعية التقنية والمؤسساتية الضرورية لإنجاحها.
ولا يتوقف هذا الاختلال عند حدود ضعف الإنجاز، بل يمتد إلى مرحلة ما بعد البناء، حيث كشفت العدوي أن 48% من المشاريع المتعثرة تواجه صعوبات على مستوى الاستغلال.
هذا المعطى ليس تفصيلاً عرضياً، بل مؤشر على خلل عميق في تصور الاستثمار العمومي، حين تُنجز منشآت دون رؤية واضحة لكيفية تشغيلها، أو دون تحديد دقيق لمسؤوليات الصيانة والتمويل المستدام.
والنتيجة هي مشاريع قائمة من حيث الشكل، لكنها محدودة الأثر من حيث الوظيفة، عاجزة عن تحسين جودة حياة المواطن أو دعم الاقتصاد المحلي كما كان مأمولاً.
ويبرز هذا التناقض بشكل أكثر حدة عند الوقوف على حصيلة برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، الذي رُوّج له باعتباره رافعة استراتيجية لتحقيق العدالة المجالية.
غير أن ما تحقق على الأرض، وفق معطيات التقرير، انحصر في جزء كبير منه في عمليات صيانة وإعادة تأهيل بنيات قائمة، بدل توسيع العرض الصحي والتعليمي أو إحداث مرافق جديدة في المناطق القروية والجبلية التي ما تزال تعاني خصاصاً بنيوياً.
وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى انسجام التنفيذ مع الأهداف الأصلية للبرنامج، وحول جدوى مقاربة تُعيد تدوير الهشاشة بدل معالجتها من الجذور.
إن الرسالة الأوضح في تقرير المجلس الأعلى للحسابات تتمثل في التشكيك العملي في نجاعة المقاربة التي تختزل التتبع في نسب الإنجاز واستهلاك الاعتمادات، دون قياس الأثر الفعلي على التنمية الترابية.
فالأرقام، حين تُفصل عن نتائجها الاجتماعية والاقتصادية، تتحول إلى مؤشرات فارغة لا تعكس حقيقة التحول المنشود.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد في الإعلان عن برامج جديدة، بل في إعادة بناء منطق التخطيط ذاته على أسس الواقعية، والتكامل بين المتدخلين، وربط التمويل بأهداف قابلة للقياس والمساءلة.
وتخلص هذه المعطيات إلى حقيقة يصعب تجاوزها: المغرب لا يعاني من نقص في الموارد أو في الأفكار، بل من صعوبات متكررة في التنزيل الفعلي للالتزامات العمومية.
وهي صعوبات تفرض اليوم مراجعة عميقة لمنظومة الحكامة الترابية، بما يعيد الاعتبار لمبدأ ربط المسؤولية بالمساءلة في بعده المؤسساتي، ويضمن أن تتحول المشاريع المعلنة من مجرد وعود رقمية إلى أدوات حقيقية للتنمية المستدامة واستعادة الثقة في العمل العمومي.
