بقلم: عبد الفتاح الحيداوي
المقدمة
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا في اهتمامات الجماعات الجهادية المسلحة، حيث لم يعد دورها مقتصرًا على العمليات العسكرية والأمنية البحتة، بل امتد ليشمل الانخراط في أنشطة الحكم والإدارة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
هذا التحول، الذي يمكن وصفه بالانتقال من استراتيجية “النكاية” (إضعاف العدو) إلى استراتيجية “التمكين” (بناء كيان حاكم)، يمثل ظاهرة مركبة ومتنامية في سياق الصراعات المعاصرة.
إن فهم دوافع وآليات هذا الانخراط في الحكم، الذي قد يطلق عليه الحاكمية الجهادية، يكتسب أهمية خاصة لتجاوز التفسيرات الأمنية التقليدية والتعمق في الأبعاد الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية لهذه الجماعات.
تنطلق هذه الدراسة من تحليل الجذور الفكرية والاستراتيجية التي تفسر اهتمام الجماعات الجهادية بالحكم، مع التركيز على مرجعيتين فكريتين رئيسيتين أسهمتا في بلورة هذا التوجه: أيمن الظواهري، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة، وأبو بكر ناجي، مؤلف كتاب “إدارة التوحش”.
تهدف الدراسة إلى إجراء تحليل مقارن لاستراتيجيتَي الظواهري وناجي، ورصد تطبيقاتهما المعاصرة، لتحديد الخصائص المشتركة والمتباينة لـ”الحاكمية الجهادية” في الممارسة.
الفرضية الرئيسية: إن الانخراط في أنشطة الحكم لدى الجماعات الجهادية ليس مجرد تكتيك عابر، بل هو تحول استراتيجي يهدف إلى بناء شرعية اجتماعية، وتأمين الموارد، وضمان الاستمرارية والبقاء في بيئات الصراع الهشة.
المنهجية: تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي المقارن، حيث يتم تحليل النصوص الفكرية الرئيسية (رسائل الظواهري، كتاب إدارة التوحش) ومقارنتها بالتطبيقات العملية في دراسات الحالة (تنظيم القاعدة في العراق، حركة الشباب، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تنظيم الدولة الإسلامية).
الفصل الأول: الجذور الإيديولوجية: مفهوم الحاكمية في الفكر الجهادي
يعد مفهوم الحاكمية الركيزة الإيديولوجية التي يقوم عليها الفكر الجهادي المعاصر، وهو يمثل الإطار النظري الذي يبرر السعي إلى الحكم وتكفير الأنظمة القائمة.
أصل المفهوم وتطوره
نشأ مفهوم الحاكمية في الفكر الإسلامي الحديث على يد أبي الأعلى المودودي، وبلوره سيد قطب في كتابه معالم في الطريق، حيث اعتبر أن الحاكمية هي أهم خصائص الألوهية، وأن الدين يقوم على هذا المبدأ.
وقد تطور المفهوم ليصبح أساسًا لتكفير الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله، واعتبار المجتمعات التي تعيش تحت حكمها جاهلية.
الحاكمية كغاية تبرر الوسائل
بالنسبة للجماعات الجهادية، فإن الحاكمية ليست مجرد مبدأ نظري، بل هي الغاية النهائية التي تبرر استخدام الجهاد المسلح (النكاية) والجهود الإدارية (التمكين).
إن إقامة “دولة التوحيد” أو “الخلافة” هو الهدف الأسمى الذي يتطلب بالضرورة السيطرة على الأرض والسكان، وهو ما يفسر الانتقال من مجرد القتال إلى محاولة بناء مؤسسات حكم بديلة.
هذا الإطار الإيديولوجي يمنح الجماعات الجهادية دافعًا قويًا لتضمين وظائف الدولة في مشروعها، ليس كإجراء تكتيكي فحسب، بل كجزء لا يتجزأ من عقيدتها.
الفصل الثاني: استراتيجية كسب القلوب والعقول الظواهري ومدرسة القاعدة
تمثل استراتيجية أيمن الظواهري تحولًا براغماتيًا ضمن التيار الجهادي، حيث أدرك الظواهري مبكرًا أن القوة العسكرية المجردة لا تكفي لضمان استمرارية المشروع الجهادي.
الأسس النظرية: رسالة الظواهري
في رسالته الشهيرة إلى أبي مصعب الزرقاوي عام 2005، شدد الظواهري على أن العامل الحاسم في صراع الحركات الجهادية ليس السلاح وحده، بل الدعم الشعبي، واعتبر أن “أهم سلاح نملكه هو دعم الجماهير”، داعيًا إلى خوض “معركة القلوب والعقول” بالتوازي مع المواجهة المسلحة.
اقتباس من رسالة الظواهري:
“إن هذا الجهاد لن ينتصر إلا إذا احتضنته الأمة… يجب أن يكون عملنا العسكري مصحوبًا بعمل إداري واجتماعي لكسب ثقة الناس”.
استراتيجية الانخراط في الحكم وبناء قاعدة الدعم الاجتماعي
ترتكز الاستراتيجية المتبعة، والتي تُنسب إلى أيمن الظواهري، على تحول نوعي في مقاربة الجماعات المسلحة، حيث تنتقل من التركيز الحصري على العمليات العسكرية إلى الانخراط الفعلي في أنشطة الحكم التي تخدم السكان المحليين. الهدف الأساسي من هذا التحول هو تحويل البيئة الحاضنة السلبية أو المحايدة إلى قاعدة دعم فاعلة ونشطة، مما يضمن استدامة وجود هذه الجماعات وتوسع نفوذها.
لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، تعتمد هذه المقاربة على ثلاثة محاور رئيسية متكاملة. المحور الأول هو تأمين الدعم الشعبي، والذي يتم عبر تقديم الخدمات الأساسية التي تغيب عنها الدولة المركزية أو تضعف قدرتها على توفيرها. يشمل ذلك توفير خدمات الصحة والتعليم والإغاثة، بالإضافة إلى دور حيوي في فض النزاعات القبلية والمحلية.
وقد تجسد هذا النموذج بوضوح في حالة حركة الشباب الصومالية، التي لم تكتفِ بالسيطرة العسكرية على مناطق معينة، بل
عملت على بناء نموذج حكم هجين. يعتمد هذا النموذج على جباية الضرائب وتنظيم الأسواق وضمان الأمن، والأهم من ذلك، تقديم خدمات قضائية وأمنية تتسم بالفعالية والسرعة في بعض المناطق. هذا الانخراط في الإدارة اليومية للسكان يمنح الحركة شرعية وظيفية يصعب على الحكومات المنافسة محوها.
المحور الثاني هو التكيف المحلي، والذي يمثل عنصرًا حاسمًا في استراتيجية البقاء والتوسع. يتطلب هذا التكيف احترام الأعراف القبلية والمحلية السائدة، وتجنب اللجوء إلى العنف المفرط أو الممارسات التي قد تنفر السكان وتدفعهم إلى مقاومة الجماعة. في منطقة الساحل، قدمت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) مثالًا بارزًا على هذا التكيف. فقد عملت الجماعة على التناغم مع البنى القبلية القائمة، بل تولت دور الوسيط لفض النزاعات بين العشائر. هذا الدور الاجتماعي قلل بشكل كبير من تكلفة السيطرة العسكرية على المنطقة، حيث تحول النفوذ من قوة قسرية إلى سلطة اجتماعية مقبولة، مما أدى إلى توسيع نفوذها الاجتماعي دون الحاجة إلى اشتباكات مستمرة.
المحور الثالث التأكيد على أهمية الشرعية الاجتماعية كهدف استراتيجي يسبق أو يسير بالتوازي مع الشرعية العسكرية. فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي لترسيخ الحكم، بل يجب إظهار القدرة على الإدارة والعدل لكسب قلوب وعقول السكان. في هذا السياق، اعتمدت حركة طالبان في أفغانستان على شبكات قضائية محلية تميزت بالسرعة والفعالية في البت في القضايا مقارنة بالبيروقراطية والفساد الذي شاب مؤسسات الدولة الرسمية.
هذا الاعتماد على نظام قضائي بديل، يلامس حاجة السكان للعدل الفوري، أكسب الحركة قبولًا واسعًا في المناطق الريفية، مما عزز من شرعيتها الاجتماعية وجعلها جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي في تلك المناطق.
باختصار، تمثل هذه الاستراتيجية تحولًا جوهريًا من مفهوم “التنظيم الإرهابي” إلى مفهوم “الكيان الحاكم الموازي”.
فمن خلال دمج القوة العسكرية مع تقديم الخدمات، واحترام التقاليد المحلية، وتوفير العدالة السريعة، تسعى هذه الجماعات إلى ترسيخ وجودها كسلطة أمر واقع.
إلى بناء شرعية عميقة الجذور، تضمن لها ليس فقط البقاء، بل والتحول إلى قوة اجتماعية وسياسية يصعب اقتلاعها.
الفصل الثالث: استراتيجية إدارة التوحش أبو بكر ناجي ومدرسة الدولة الإسلامية
يمثل كتاب إدارة التوحش أخطر مرحلة ستمر بها الأمة لأبي بكر ناجي (المعروف بـسيف العدل)، إطارًا استراتيجيًا متكاملًا للانتقال من حالة الجهاد إلى حالة الدولة عبر مرحلة انتقالية قاسية.
مفهوم “التوحش” و”الإدارة”
يقدم أبو بكر ناجي في كتابه إدارة التوحش أخطر مرحلة ستمر بها الأمة تصورًا نظريًا لمرحلة انتقالية يراها حتمية في مسار الصراع، وهي المرحلة التي تعقب انهيار الدولة المركزية أو انسحابها من أطراف جغرافية واسعة.
في هذا السياق، لا يعرف التوحش بوصفه حالة فوضى عشوائية فحسب، بل باعتباره واقعًا سياسيًا اجتماعيًا يتسم بغياب السلطة والقانون وتفكك منظومات الأمن والخدمات وتنامي الخوف وعدم اليقين لدى السكان. هذه البيئة بحسب أبو بكر ناجي ليست ناتجًا ثانويًا للصراع، وإنما فضاء استراتيجي قابل للتوظيف إذا ما أحسن التعامل معه، إذ يرى أن الفوضى تنتج قابلية شعبية للقبول بأي قوة قادرة على فرض الحد الأدنى من النظام والأمان.
ومن هذا المنطلق ينتقل ناجي إلى مفهوم “الإدارة”، الذي يشكل جوهر أطروحته. فالإدارة تعني تدخلًا منظمًا ومقصودًا من قبل الجماعة المسلحة لملء فراغ السلطة في مناطق التوحش، عبر الجمع بين القسر العسكري وتقديم وظائف حكم أساسية.
لا يقدم ناجي الإدارة بوصفها مجرد سيطرة أمنية، بل كعملية بناء تدريجية لسلطة بديلة تقوم على فرض الانضباط، وتنظيم شؤون الحياة اليومية،
وتأمين الموارد، وإدارة العلاقات مع السكان المحليين. ويؤكد أن نجاح هذه الإدارة مرهون بالقدرة على الجمع بين الشدة والمرونة: الشدة في مواجهة الخصوم وكل ما يهدد استقرار الكيان الناشئ، والمرونة في التعامل مع المجتمع المحلي وكسب تعاونه، أو على الأقل تحييده.
في تصور ناجي، تمثل إدارة التوحش مرحلة وسيطة بين “النكاية” و“التمكين”. فهي ليست الغاية النهائية، بل أداة لتهيئة البيئة الاجتماعية والسياسية لإقامة كيان حاكم أكثر استقرارًا.
ويشدد على أن الفشل في هذه المرحلة سواء عبر الإفراط في العنف غير المنضبط أو العجز عن تقديم حد أدنى من الخدمات يؤدي إلى فقدان الحاضنة الاجتماعية وإعادة إنتاج الفوضى، بما يفتح الباب لعودة قوى منافسة.
لذلك، يولي أهمية كبيرة لمسائل التنظيم الداخلي، وتوزيع الأدوار، وضبط الموارد، وبناء صورة ذهنية للسلطة الجديدة بوصفها البديل الممكن في سياق الانهيار.
وعليه، فإن مفهوم إدارة التوحش عند أبي بكر ناجي يعكس رؤية براغماتية للحكم في سياق الصراع، تقوم على استثمار الفوضى وتحويلها إلى نظام قسري/وظيفي، يهدف في النهاية إلى الانتقال من حالة اللادولة إلى شكل من أشكال الدولة البديلة. هذه الرؤية، وإن كانت تنطلق من منطلقات إيديولوجية واضحة، فإنها تكشف في جوهرها عن فهم عميق لديناميات الفراغ السلطوي، ولعلاقة الأمن والخدمات بالشرعية في البيئات الهشة.
الآليات والتطبيق العملي: نموذج تنظيم الدولة الإسلامية داعش
تعتمد استراتيجية إدارة التوحش على معادلة تجمع بين الشدة المفرطة وتقديم الخدمات الأساسية:
تعتمد الكيانات التي تسعى لفرض نظامها بالقوة، وخاصة تلك التي تنشأ في سياقات الصراع غير المتكافئة، على مجموعة من الآليات المتشابكة التي تتراوح بين العنف المفرط ومحاولات الإدارة الأساسية، وهو ما يولد تناقضًا بنيويًا يهدد استمراريتها.
في دراسة حالة تنظيم الدولة الإسلامية داعش يتجلى هذا النموذج بوضوح عبر ثلاثة محاور رئيسية.
أولًا: فرض النظام بالقوة
القوة هي الآلية الأساسية للسيطرة. لم يكن استخدام العنف المفرط مجرد تكتيك عسكري، بل كان استراتيجية شاملة تهدف إلى ردع المنافسين وإخضاع السكان بشكل كامل من خلال الترهيب. لقد اعتمد التنظيم على تطبيق عقوبات قاسية للغاية، والتي كانت تُعرض علنًا لترسيخ سلطته المطلقة. هذا العنف، الذي وصفته التقارير بأنه أداة أساسية لـ«التطهير» و«الردع»، مكّن داعش من فرض نظام صارم في مناطق سيطرته في العراق وسوريا. الهدف من هذا الترهيب هو القضاء على أي شكل من أشكال المقاومة أو التفكير في التمرد، مما يضمن طاعة فورية وغير مشروطة.
ثانيًا: بناء هيكل للإدارة الأساسية لترسيخ وجوده ككيان دولة
تضمنت هذه المحاولات تنظيم الموارد الاقتصادية الحيوية، مثل جباية الضرائب والسيطرة على حقول النفط لتمويل عملياته. كما سعى التنظيم إلى توفير خدمات بدائية للسكان، بما في ذلك إدارات المياه والكهرباء، وإقامة نظام قضائي خاص به. كانت هذه التجربة محاولة للجمع بين السيطرة العسكرية وتقديم الخدمات الإدارية، مما أدى إلى خلق ما يمكن تسميته بـ«عقد اجتماعي قسري». بموجب هذا العقد، كان التنظيم يقدم مستوى من الأمن والنظام، وإن كان وحشيًا، مقابل الطاعة الكاملة والقبول بسلطته.
ثالثًا: يكمن الخلل الجوهري في هذا النموذج في التناقض البنيوي الكامن بين الآليتين السابقتين
فمن ناحية، يعتمد التنظيم على العنف المفرط والترهيب لفرض سيطرته، وهي أساليب تنفر السكان وتدفعهم إلى النفور السري أو العلني. ومن ناحية أخرى، يحاول بناء شرعية تتطلب قدرًا من القبول الشعبي والتعاون.
لضمان استدامة الإدارة. هذا التناقض بين القسوة المطلقة ومحاولة بناء الشرعية هو ما أدى إلى فشل نموذج داعش. لقد أظهرت التجربة أن الدعم القسري الذي تم الحصول عليه من خلال الترهيب هو دعم هش وغير مستدام.
فعند أول تدخل خارجي أو تغير في موازين القوى، ينهار هذا الدعم سريعًا لأن العنف المفرط الذي مارسه التنظيم أدى إلى نفور شعبي واسع النطاق وتوليد مقاومة محلية قوية.
بعبارة أخرى، إن الآلية التي استخدمها التنظيم لفرض النظام كانت هي نفسها الآلية التي قوضت شرعيته وأدت في النهاية إلى زوال سيطرته الإقليمية.
الخاتمة: تباين الاستراتيجيات ووحدة الهدف
تظهر المقارنة بين استراتيجيتَي أيمن الظواهري وأبي بكر ناجي اختلافًا واضحًا في الوسائل ومستويات العنف، لكنها تكشف في العمق عن وحدة الهدف الاستراتيجي المتمثل في الانتقال من مرحلة “النكاية والإيذاء” إلى مرحلة “التمكين” وبناء كيان حاكم قادر على البقاء. فالخلاف ليس حول الغاية النهائية، بل حول الطريق الأنسب للوصول إليها، وحول كيفية إدارة العلاقة مع المجتمع المحلي في سياق انهيار الدولة أو ضعفها.
تنطلق مقاربة الظواهري، كما عبر عنها في مراسلاته مع قادة ميدانيين مثل أبي مصعب الزرقاوي، من إدراك مبكر بأن السلاح الحاسم في الصراع ليس القوة العسكرية وحدها، بل القبول الاجتماعي.
لذلك شدد على ضرورة كسب القلوب والعقول عبر تجنب الإفراط في العنف، واحترام الأعراف المحلية، وتقديم شكل من أشكال الخدمات والعدالة البديلة عندما تعجز الدولة عن ذلك. هذا المنطق البراغماتي لا يتخلى عن مرجعية “الحاكمية”، لكنه يؤجل فرضها الصارم إلى مرحلة لاحقة، بعد ترسيخ قاعدة اجتماعية حاضنة.
ويمكن ملاحظة آثار هذه المقاربة في تجارب فروع القاعدة في الساحل الإفريقي أو في الصومال، حيث سعت جماعات مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” أو “حركة الشباب” إلى التغلغل في البنى الاجتماعية المحلية، وتقديم نفسها كفاعل أمني وقضائي بديل، أكثر من كونها مجرد قوة عسكرية صدامية.
النسيج القبلي، وحل النزاعات المحلية، وتنظيم الجباية بشكل يبدو نسبيًا أقل صدامية مع المجتمع، ما مكنها من الاستمرار رغم الضغوط العسكرية.
في المقابل، تقدم استراتيجية أبي بكر ناجي، كما صاغها في كتاب إدارة التوحش، تصورًا أكثر راديكالية يقوم على استثمار الفوضى والعنف المفرط بوصفهما أدوات ضرورية لإعادة تشكيل المجتمع. يفترض هذا المنهج أن مرحلة الانهيار الشامل للدولة تخلق فراغًا لا يمكن ملؤه إلا بالقوة الصارمة، وأن إخضاع السكان عبر الترهيب هو السبيل الأسرع لفرض النظام وتطبيق الحاكمية.
هذا التصور يعلي من فقه المراحل لكنه يربط المراحل الأولى بجرعات عالية من العنف، باعتبارها شرطًا لا غنى عنه للانتقال إلى التمكين. وقد تجسدت هذه الرؤية عمليًا في تجربة تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا، حيث حقق التنظيم سيطرة سريعة على مساحات واسعة مستفيدًا من الانهيار الأمني، لكنه فشل في بناء شرعية اجتماعية حقيقية، ما جعله عرضة للانهيار السريع بمجرد تغير موازين القوة.
النتائج العملية لهذين النهجين تظهر بوضوح أن النجاح العسكري المؤقت لا يساوي بالضرورة قدرة على الحكم المستدام. فبينما استطاعت المقاربة الناعمة نسبيًا المرتبطة بالقاعدة التكيف مع البيئات المحلية والبقاء كفاعل مؤثر على المدى المتوسط والطويل، أدت المقاربة القائمة على إدارة التوحش إلى نفور واسع من السكان المحليين، وسهلت تشكل تحالفات داخلية وخارجية ضدها.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن استراتيجية الظواهري أقل خطورة، بل إنها أكثر تعقيدًا وصعوبة في المواجهة، لأنها تختفي خلف ممارسات خدمية وقضائية بديلة تستغل إخفاقات الدولة.
إن هذا التحول في فهم الجماعات الجهادية للحكم يفرض تحديات حقيقية على صانعي السياسات، إذ لم يعد التعامل معها ممكنًا عبر المقاربة الأمنية الصرفة. فهذه الجماعات تنجح أساسًا في البيئات التي تعاني من ضعف الشرعية، وغياب الخدمات، وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
العدالة، وتدهور الخدمات الأساسية. ومن ثم، فإن استعادة الشرعية الاجتماعية للدولة تصبح شرطًا مركزيًا لأي استراتيجية فعالة، عبر تحسين الحكامة، وتعزيز حضور مؤسسات العدالة، وتلبية الحاجات اليومية للسكان، لا سيما في المناطق الهامشية.
كما أن فهم الديناميكيات المحلية، من قبائل وروابط اجتماعية واقتصادات غير رسمية، يعد أمرًا حاسمًا، لأن الجماعات الجهادية تبني نفوذها من خلال هذه القنوات وليس في فراغ.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توسيع البحث في قضايا لا تزال أقل تناولًا، مثل أثر التمويل الذاتي القائم على الجباية والسيطرة على الموارد الطبيعية في تعزيز استقلالية هذه الجماعات وقدرتها على الحكم بعيدًا عن الرعاية الخارجية.
كما أن تحليل تجارب ما يسمى بالجهاد السياسي المعاصر، مثل حالة هيئة تحرير الشام في شمال سوريا، يقدم مادة غنية لفهم كيف تعاد صياغة الاستراتيجيات القديمة بلغة جديدة، تجمع بين السعي إلى القبول المحلي ومحاولة فك الارتباط الرمزي مع النماذج الأكثر تطرفًا. إن فهم هذه التحولات بعمق سيخدم البحث الأكاديمي مستقبلًا.
