When the Crisis Is Managed on Wheels: 24 Million Dirhams for Mobility Comfort
كشفت مصادر إعلامية أن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب أطلق صفقة لكراء سيارات على المدى الطويل، بكلفة تناهز 24 مليون درهم، تشمل 123 مركبة بمواصفات متعددة، من سيارات نفعية وتقنية إلى مركبات متعددة الاستعمال وسيارات هجينة.
صفقة قُدِّمت بلغة إدارية هادئة تحت عنوان “تعزيز التنقل الميداني”، لكنها تطرح، في عمقها، سؤالًا سياسيًا حادًا حول ترتيب الأولويات داخل مؤسسة عمومية تُدبّر أحد أكثر القطاعات حساسية في حياة المواطنين.
في الظاهر، يبدو القرار تقنيًا بحتًا: أسطول سيارات لتسهيل مهام الصيانة والمتابعة والخدمات التقنية.
غير أن هذا العرض المحايد يتجاهل السياق الذي تأتي فيه الصفقة.
فالمواطن الذي يختبر انقطاعات متكررة في التزويد، وتأخرًا في التدخل، وفواتير ترتفع دون تحسّن ملموس في جودة الخدمة، يجد نفسه أمام مفارقة صارخة: سرعة في اتخاذ قرارات الإنفاق، وبطء في معالجة الأعطاب.
اللافت في الصفقة ليس فقط حجم الغلاف المالي، بل طبيعة المركبات وتنوّعها، بما فيها سيارات متعددة الاستعمال و”SUV”، إلى جانب مركبات هجينة تُسوَّق باعتبارها خيارًا عصريًا وصديقًا للبيئة.
غير أن التحديث، في منطق الخدمة العمومية، لا يُقاس بنوع السيارة ولا براحة القيادة، بل بالأثر الفعلي على حياة المواطنين.
فالمواطن لا يعنيه شكل الأسطول بقدر ما يعنيه أن يصل الماء دون انقطاع، وأن تُحل الأعطاب في آجال معقولة، وأن تعكس الفاتورة خدمة عادلة وشفافة.
ويفتح اختيار الكراء طويل الأمد بدل الاقتناء نقاشًا لا يقل أهمية حول المردودية والاستدامة.
هل جرى تقييم كلفة هذا الخيار على المدى المتوسط والبعيد؟ وهل قورنت هذه النفقات بإمكانيات بديلة كان يمكن أن تُوجَّه لتعزيز الشبكات، أو تقليص الأعطاب، أو تحسين التزويد في المناطق الهشة؟ أسئلة لا تظهر في البلاغات الرسمية، لكنها حاضرة بقوة في وعي مواطنين يدفعون ثمن اختلالات لا يشاركون في صنع قراراتها.
ويزداد هذا النقاش حدّة حين يُستحضر خطاب ترشيد النفقات الذي يُرفع كلما تعلق الأمر بالاستثمار في تحسين الخدمات المباشرة.
ففي الوقت الذي يُطلب فيه من المواطن تفهّم “ندرة الموارد” و”صعوبة الظرفية”، تُرصد ملايين الدراهم لأسطول تنقّل، وكأن الأزمة تتعلق بسرعة الوصول لا بجودة ما يُقدَّم عند الوصول.
هنا يتعمّق الشرخ بين خطاب الخدمة العمومية وواقع تدبيرها.
الأخطر من الصفقة ذاتها هو طريقة تمريرها عبر لغة تقنية تُفرغها من بعدها السياسي.
فحين يُختزل النقاش في الأرقام والأصناف، ويُقصى سؤال الأولويات، تتحول الإدارة إلى كيان منفصل عن محيطه الاجتماعي، يرى في تحسين شروط اشتغاله غاية في حد ذاتها، لا وسيلة لخدمة المواطن.
