كشف موقع Africa Intelligence، المتخصص في تتبع شبكات النفوذ والقرار في القارة الإفريقية، عن صورة مركّبة للدور الذي يضطلع به المستشار الملكي فؤاد علي الهمة داخل منظومة الحكم في المغرب، باعتباره أحد أكثر الفاعلين حضورًا في الملفات الاستراتيجية، سواء على المستوى الداخلي أو في واجهات السياسة الخارجية، من دون أن يشغل موقعًا حكوميًا مباشرًا أو يظهر في واجهة المشهد العمومي.
ووفق التحقيق المنشور بتاريخ 19 دجنبر 2025، فإن الهمة، الصديق المقرّب من الملك محمد السادس منذ الطفولة، رسّخ خلال العقدين الأخيرين موقعه كمنسّق محوري لشبكات نفوذ متداخلة تشمل الأمن، الإعلام، الدبلوماسية، والرياضة، وتمتد عبر أربع قارات.
وهي علاقة تعود إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، حين التحق الاثنان معًا بالمدرسة المولوية بالرباط، قبل أن يتابعا دراستهما الجامعية في القانون بجامعة محمد الخامس، ثم ينتقل الهمة لاحقًا إلى قلب الدولة بتعيينه سنة 1998 رئيسًا لديوان ولي العهد آنذاك، بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني.
ويصف الموقع الهمة بأنه أحد “أحجار الزاوية” داخل منظومة الحكم، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ“المخزن”، حيث يحتفظ بعلاقات وثيقة مع مفاصل حساسة في الدولة.
فعلى المستوى الأمني، تشير المجلة إلى صلته القوية بالمدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، بما يتيح له اطلاعًا واسعًا على القضايا الأمنية والاستخباراتية الكبرى.
وفي المجال الإعلامي، يبرز اسمه مقرونًا بمدير الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة فيصل العرايشي، وبشبكة من الفاعلين الذين انتقلوا من عالم الاتصال الخاص إلى مواقع القرار العمومي.
ويولي تحقيق Africa Intelligence حيّزًا مهمًا لملف الصحراء ، باعتباره القضية المركزية في السياسة الخارجية المغربية.
ووفق المعطيات التي أوردها، اشتغل الهمة خلال الأسابيع الأخيرة إلى جانب المستشار الملكي الطيب الفاسي الفهري على إعداد مخطط جديد تعتزم الرباط عرضه على المجتمع الدولي، انسجامًا مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر.
ويشير الموقع إلى أن الاستراتيجية التي أفضت إلى التصويت الأممي الأخير جرى تنسيقها داخل الدوائر العليا، فيما تولّى وزير الخارجية ناصر بوريطة تنفيذها دبلوماسيًا منذ تعيينه سنة 2017.
وفي السياق نفسه، يعيد المقال التذكير بمحطة سنة 2020، حين اعترفت الإدارة الأمريكية السابقة، بقيادة دونالد ترامب، بمغربية الصحراء، مقابل انخراط المغرب في اتفاقات أبراهام.
ووفق المصدر، كان الهمة من بين الذين مهّدوا لهذا التحول الجيوسياسي، خاصة من خلال دوره في تنظيم زيارة جاريد كوشنر إلى المغرب سنة 2019، مستفيدًا من شبكة علاقات تمتد إلى واشنطن وتل أبيب، وبدعم من شخصيات من عالم الأعمال والدبلوماسية.
ولا يتوقف نفوذ الهمة، حسب التحقيق، عند السياسة والأمن والدبلوماسية، بل يمتد إلى مجال الإعلام العمومي، حيث يشير الموقع إلى عملية إعادة هيكلة المشهد السمعي البصري التي انطلقت سنة 2021، وانتهت سنة 2024 بوضع قناتي 2M وميدي 1 تي في تحت السيطرة الكاملة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.
ويرى المصدر أن هذه الخطوة أعادت ترتيب توازنات دقيقة داخل الحقل الإعلامي، وأنهت نفوذًا سابقًا لبعض الفاعلين الاقتصاديين المرتبطين بالقابضة الملكية “المدى”.
كما يبرز التحقيق دور الهمة في توظيف الرياضة باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة، خصوصًا في سياق التحضير لتنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030.
وفي هذا الإطار، يشير الموقع إلى تحركات دبلوماسية واقتصادية مكثفة نحو دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، بهدف استقطاب استثمارات كبرى في البنيات التحتية، من ملاعب وطرق وفنادق ومشاريع طاقية، مستفيدًا من علاقاته المتينة مع دوائر القرار في أبوظبي.
ويتطرق المقال كذلك إلى حضور أسماء من محيط الهمة العائلي في مشاريع مرتبطة بالرياضة والتكنولوجيا والاستثمار، دون أن يذهب إلى توجيه اتهامات أو تسجيل خروقات قانونية، مكتفيًا بعرض المعطيات كما هي، وترك تقييمها للقارئ.
وفي ما يخص الحضور الدبلوماسي، يشير الموقع إلى تعيين شخصيات مقرّبة من الهمة في سفارات ومناصب حساسة بعدد من العواصم المؤثرة، من باريس إلى أبيدجان وكوبنهاغن، في سياق تتقاطع فيه رهانات السياسة الخارجية مع قضايا الأمن الإقليمي والملفات الاستراتيجية للمملكة.
ولا يقدّم تحقيق Africa Intelligence صورة “رجل يحكم”، بقدر ما يرسم ملامح فاعل ينسّق، يشتغل خارج الضوء، ويؤمّن استمرارية القرار في ملفات تعتبرها الدولة المغربية مصيرية.
إنه نص تحليلي لا يصدر أحكامًا، لكنه يفتح نقاشًا هادئًا حول طبيعة اشتغال السلطة، وحدود الفصل بين السياسي والمؤسساتي، وكيف تُدار مراكز النفوذ بعيدًا عن التداول العمومي.
