كشفت مصادر إعلامية متطابقة أن السلطات الروسية المختصة بالرقابة الزراعية والبيطرية بميناء كالينينغراد شرعت، خلال الأيام الأخيرة، في التدقيق في وثائق شحنة سردين وماكريل مغربية تزن نحو 26 طناً، وذلك على خلفية ما وصفته الجهات الروسية بـ“اختلالات إدارية” في الشهادات الصحية وعدم تطابق تواريخ الإنتاج بين الوثائق الرسمية والملصقات.
وبحسب المعطيات المتداولة، فقد استدعى هذا الإجراء إحالة عينات من الشحنة إلى المختبرات الفيدرالية للبحوث البيطرية قصد التحقق من مدى مطابقتها لمعايير السلامة والجودة المعتمدة.
وأكدت السلطات الروسية أن القرار يندرج في إطار احترازي إجرائي، ولا يشكل في هذه المرحلة دليلاً على وجود مخاطر صحية.
غير أن هذا التشدد الوثائقي في الخارج يسلّط الضوء على مفارقة لافتة في الداخل المغربي؛ فالسردين الذي يُعلَّق تصديره مؤقتاً بسبب “هفوة في ورقة”، هو نفسه الذي يغيب عن موائد عدد متزايد من الأسر المغربية البسيطة بسبب موجة غلاء متصاعدة.
ففي عدد من المدن، تشير معطيات سوقية محلية إلى أن أسعار السردين تجاوزت عتبة 25 و30 درهماً للكيلوغرام، ما أفقده موقعه كأرخص مصدر للبروتين الحيواني.
وفي الوقت الذي تربط فيه السلطات الروسية رفع تعليق الشحنة بالحصول على توضيحات رسمية من الجهات المغربية المختصة، في إطار حماية المستهلك الروسي وضمان شفافية سلاسل التوريد، يجد المستهلك المغربي نفسه أمام سوق داخلية شبه محررة من أي آليات فعالة للضبط، وسط تساؤلات متزايدة حول جدوى استمرار وتيرة التصدير نفسها في ظل خصاص واضح وارتفاع متواصل للأسعار.
وتتداخل أسباب هذا “الاغتراب الغذائي” بين عوامل تقنية ومناخية وبنيوية؛ إذ تفرض فترات الراحة البيولوجية توقفاً ضرورياً لنشاط الصيد حفاظاً على تجدد المخزون السمكي، كما تسهم التغيرات المناخية والاستنزاف المفرط في تقليص العرض.
غير أن العامل الأكثر حساسية يظل مرتبطاً بمنطق التصدير، حيث يواجه المغرب، بصفته أحد كبار موردي الأسماك للأسواق الدولية، معادلة دقيقة بين جلب العملة الصعبة عبر تصدير أجود المنتوجات، وبين واجب تأمين غذاء أساسي للمواطنين بأسعار في المتناول.
إن واقعة الشحنة المعلّقة في روسيا لا يمكن اختزالها في حادث تقني معزول، بل تطرح أسئلة أوسع حول انسجام السياسة السمكية مع متطلبات الأمن الغذائي، وحول قدرة التدبير العمومي على تحقيق توازن فعلي بين متطلبات السوق الدولية وانتظارات السوق المحلية، حتى لا يتحول السردين إلى منتج مرغوب خارجياً، لكنه بعيد المنال عن الفئات التي شكّل تاريخياً أحد أعمدة غذائها اليومي.
