بعد أزيد من عامين على الزلزال العنيف الذي ضرب إقليم الحوز ومناطق واسعة من الأطلس الكبير، عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش العمومي، لا باعتباره كارثة طبيعية طواها الزمن، بل كأزمة تدبير ممتدة كشفت حدود الاستجابة العمومية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المتضرّرين.
فقد طالبت 28 منظمة وطنية ودولية، في بيان مشترك، الدولة المغربية بتحمّل مسؤولياتها كاملة، معتبرة أن ما أعقب ليلة الزلزال كان، في كثير من جوانبه، أقسى من الزلزال نفسه، بسبب ما وصفته بالإهمال والنسيان اللذين يواجههما السكان منذ ذلك الحين.
البيان المشترك، الصادر عن هيئات حقوقية ومدنية من داخل المغرب وخارجه، لم يكتف باستحضار المعاناة الإنسانية، بل قدّم قراءة نقدية لمسار إعادة الإعمار، مسجّلاً جملة من الاختلالات التي قال إنها مست جوهر حقوق الضحايا.
وتحدّث عن تأخر غير مبرّر في صرف التعويضات، وإقصاء أسر متضرّرة بدعوى مبررات إدارية وُصفت بالواهية، إضافة إلى غياب الشفافية في تدبير الأموال المرصودة لإعادة البناء، ما خلق شعوراً متنامياً بالغبن داخل أوساط الساكنة المنكوبة.
ووفق المعطيات التي أوردتها المنظمات، فإن آلاف المواطنين ما يزالون يعيشون أوضاعاً قاسية، في ظل منازل منهارة لم يشملها التعويض، وأسر لم تُدرج ضمن لوائح المستفيدين رغم استيفائها للشروط المعلنة.
كما أشار البيان إلى أن أكثر من ثلاثة عشر ألف مسكن جرى تعويضها بشكل جزئي، رغم أن الأضرار التي لحقتها كانت كلية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول المعايير المعتمدة في تحديد طبيعة الدعم وحجمه.
فالفارق بين منحة إعادة البناء الكاملة ومنحة الترميم المحدودة في 80 ألف درهم، بحسب البيان، لا يستند إلى أسس واضحة أو معايير معلنة، بل يبدو، في نظر الموقّعين، غامضاً وغير عادل.
وتتعمق الإشكالية، حسب نفس المصدر، عندما يتعلق الأمر بالواقع الميداني الذي لا ينسجم دائماً مع الأرقام الرسمية المعلنة.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه السلطات أن عدد الخيام المتبقية بإقليم الحوز لا يتجاوز بضع عشرات، تشير شهادات موثّقة ومعطيات ميدانية إلى أن عشرات الدواوير ما تزال تضم أعداداً أكبر من الأسر التي لم تجد بديلاً لائقاً عن الخيام.
بل إن البيان أشار إلى حالات جرى فيها تفكيك خيام دون توفير حلول سكنية بديلة، وهو ما اعتبرته المنظمات مساساً مباشراً بكرامة المتضرّرين وحقهم في سكن لائق.
ولم يغفل البيان التوقف عند ما وصفه بضعف التفاعل المؤسساتي، خصوصاً على المستوى البرلماني. إذ أبرز أن عدد الأسئلة البرلمانية الموجهة إلى الحكومة حول زلزال الحوز، خلال سنتين، لم يتجاوز 59 سؤالاً، أُجيب عن 38 منها فقط، فيما ظل ما يقارب 35 في المائة دون جواب، في حين لم يُسجَّل أي رد مباشر من رئيس الحكومة على الأسئلة المرتبطة بهذه الكارثة.
وهي معطيات تعكس، بحسب الموقّعين، محدودية الرقابة السياسية على تدبير ملف بحجم إنساني واجتماعي كبير.
وفي سياق متصل، استنكر البيان المتابعات والاعتقالات التي طالت بعض نشطاء التنسيقيات المدافعة عن حقوق المتضرّرين، معتبراً أن اللجوء إلى المقاربة الزجرية في مواجهة مطالب اجتماعية مشروعة لا يساهم في حل الأزمة، بقدر ما يعمّق الإحساس بالإقصاء ويغذّي التوتر.
وذكّر في هذا الإطار بحالات اعتقال ومحاكمة نشطاء عبّروا عن احتجاجهم على أوضاع ما بعد الزلزال، وهو ما اعتبرته المنظمات تضييقاً على الحق في التعبير والاحتجاج السلمي.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، دعت الهيئات الموقّعة الدولة المغربية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، في مقدمتها الصرف الفوري لكافة التعويضات المتأخرة، وإعادة تقييم الملفات المرفوضة وفق معايير شفافة وعادلة، مع إدراج جميع الفئات التي جرى إقصاؤها، من أرامل ويتامى وأشخاص في وضعية إعاقة وورثة، دون تعقيدات إدارية إضافية.
كما طالبت بتوفير سكن لائق وبشكل مستعجل لتمكين السكان من مواجهة فصول الشتاء القاسية، ومعالجة الخصاص المالي الذي تعاني منه الأسر التي اضطرت إلى بناء مساكن غير آمنة هروباً من واقع الخيام، فضلاً عن فك العزلة الاقتصادية والاجتماعية عن المناطق الجبلية المتضرّرة بشكل فعلي وجدي.
وفي العمق، يعكس هذا البيان، وما أثاره من نقاش، أن زلزال الحوز لم يعد مجرد حدث طبيعي وقع في زمن محدد، بل تحوّل إلى مرآة تعكس طريقة تدبير الدولة للأزمات الكبرى، وقدرتها على تحويل التعاطف الأولي إلى سياسات عمومية منصفة ومستدامة.
فالكارثة، في منطق الحقوق، لا تنتهي بانقضاء لحظة الصدمة، بل تستمر ما دامت آثارها الاجتماعية والإنسانية قائمة.
والحوز، إلى اليوم، ما يزال يطرح سؤالاً مفتوحاً حول العدالة المجالية، والإنصاف الاجتماعي، ومعنى أن تكون إعادة الإعمار فعلاً لإعادة الاعتبار للإنسان، لا مجرد أرقام في بلاغات رسمية.
