From Government to the Center of Power: Where Are Public Policies Really Decided?
بين واجهة التدبير الحكومي ومركز صناعة القرار، تتسع المسافة بين من يُعلن السياسات ومن يحسمها فعليًا. قراءة في نموذج حكم يقوم على مركزية الاختيار، وتداخل السياسة بالاقتصاد، وحدود النقاش العمومي حول الخيارات الكبرى.
لا يُدار النقاش العمومي في المغرب دائمًا حول جوهر السلطة، بل غالبًا حول هوامشها.
ينشغل الجدل بتفاصيل التدبير اليومي وبصراعات سياسية ظرفية، بينما تظل الأسئلة البنيوية المؤطرة لمنطق الحكم خارج التداول الواسع.
تتغيّر الحكومات، تتبدّل الأولويات المعلنة، وتُعاد صياغة البرامج والخطابات، بينما تظل الأسئلة الحاسمة مؤجَّلة: أين يُصنع القرار الحقيقي؟ وكيف تتقاطع السياسة بالاقتصاد في رسم الخيارات الكبرى للدولة؟ وإلى أي حد تملك المؤسسات المنتخبة هامش التأثير في هذه الاختيارات، لا فقط مسؤولية تنزيلها؟
خلال السنوات الأخيرة، تكرّست ملامح نموذج حكم يقوم على مركزية القرار، لا باعتبارها استثناءً فرضته الأزمات أو ظرفًا مؤقتًا، بل كخيار تدبيري مستقرّ يُعاد إنتاجه باستمرار.
نموذج يُدار بمنطق الاستمرارية أكثر من منطق التداول، ويقوم على ضبط الإيقاع السياسي بدل فتحه على احتمالات التغيير.
لا يُقدَّم هذا النموذج رسميًا كتعليق للمؤسسات أو تجاوز للدستور، بل كصيغة “عملية” لضمان الاستقرار والاستمرارية في سياق داخلي معقّد، تُستحضر فيه اعتبارات الأمن الاجتماعي، والرهانات الجيوسياسية، وضغط التحولات الاقتصادية العالمية.
غير أن ثمن هذه الصيغة كان تراجع السياسة بمعناها التعددي، وانكماش النقاش العمومي حول الخيارات الاستراتيجية الكبرى، وتحويل الخلاف السياسي إلى نقاش تقني محدود السقف.
في هذا الإطار، تبدو المؤسسات المنتخبة، وفي مقدمتها الحكومة والبرلمان، محدودة التأثير في تحديد التوجهات الحاسمة.
يظل دورها، في عدد من الملفات الحيوية، محصورًا في التنفيذ والتدبير أكثر من المبادرة والاختيار. لا تُناقَش البدائل الكبرى داخل هذه المؤسسات بقدر ما يُطلب منها تأمين الانسجام مع اختيارات محسومة سلفًا.
تُرسم السياسات العمومية المرتبطة بالاستثمار، والبنيات التحتية، والطاقة، والشراكات الاقتصادية الكبرى في مستويات عليا، ثم تُنزَّل لاحقًا عبر القنوات الحكومية ضمن هامش ضيّق من النقاش والمساءلة.
يفسّر هذا الواقع محدودية النقاش البرلماني حول كلفة هذه الخيارات، وجدواها الاجتماعية، وانعكاساتها بعيدة المدى.
لا يُقال هذا المعطى صراحة، لكنه ينعكس بوضوح في طبيعة القرارات المتخذة، وفي ضعف النقاش البرلماني بشأنها، وفي غياب محاسبة سياسية فعلية حول نتائجها.
يُستدعى خطاب “الاستقرار” في هذا السياق بوصفه القيمة العليا التي تُبرّر مركزية القرار، ويُقدَّم كخط أحمر لا يجوز الاقتراب منه، حتى عندما يكون ذلك على حساب الشفافية أو إشراك الرأي العام في نقاش اختيارات تمسّ مستقبله.
في موازاة ذلك، شهدت بنية الحكم توسّعًا متزايدًا لنفوذ الفاعلين الاقتصاديين الكبار.
لم يعد المال مجرد عنصر ضغط خارجي، بل تحوّل تدريجيًا إلى مكوّن داخلي في صناعة القرار.
تداخلت المصالح الاقتصادية مع القرار العمومي، وأصبح الاستثمار الكبير، في حالات عديدة، مدخلًا للتأثير في ترتيب الأولويات لا مجرد أداة للتنمية.
أصبحت شبكات المصالح، والاستثمارات الكبرى، والشراكات طويلة الأمد جزءًا من المعادلة السياسية، تؤثّر في توجيه السياسات العمومية خارج أي نقاش عمومي منظّم أو تفويض سياسي صريح، وهو ما يُضعف قدرة المؤسسات التمثيلية على لعب دور الوساطة بين الدولة والمجتمع.
ضمن هذا السياق، يبرز الحضور الإماراتي كأحد أكثر العوامل تأثيرًا في السنوات الأخيرة.
لم تعد العلاقة المغربية–الإماراتية تُختزل في التعاون الدبلوماسي أو الدعم الظرفي، بل تطوّرت إلى شراكة اقتصادية واستثمارية واسعة، تمتد عبر قطاعات استراتيجية، وتقوم على منطق طويل النفس يتجاوز حسابات الصفقات الظرفية.
لا يظهر هذا الحضور في شكل تدخل سياسي مباشر، ولا يُقدَّم كوصاية أو تأثير فوقي، بل يُبنى بهدوء عبر الاستثمارات والمشاريع الكبرى، وعبر علاقات متشابكة مع محيط القرار.
يميّز هذا النفوذ كونه لا يمرّ عبر المؤسسات المنتخبة، ولا يُناقَش في البرامج الحكومية، ولا يُعرض للنقاش العمومي بوصفه خيارًا استراتيجيًا.
يعمل هذا النفوذ بمنطق الزمن الطويل، ويُراكم تأثيره تدريجيًا إلى أن يصبح جزءًا من البنية الاقتصادية والسياسية، لا عنصرًا خارجيًا عنها.
يُعقّد ذلك أسئلة السيادة الاقتصادية، لأن القرار لا يُقاس فقط بمن يوقّع الاتفاقيات، بل بمن يملك القدرة على توجيه الخيارات وضبط المسارات، وتحديد ما يُفتح للنقاش وما يُعتبر محسومًا.
في هذا السياق، يُعاد تعريف دور القصر داخل منظومة الحكم، ليس فقط كمؤسسة رمزية أو تحكيمية، بل كفاعل مركزي يضبط التوازنات الكبرى، ويدير العلاقة بين السياسة والاقتصاد، ويؤمّن استمرارية النموذج في مواجهة التقلبات الداخلية والخارجية.
تُقدَّم هذه المركزية خارجيًا كعامل استقرار وطمأنة، خصوصًا في نظر الشركاء الدوليين والمستثمرين الكبار، لكنها داخليًا تُقلّص فضاءات النقاش، وتُضعف آليات الرقابة والمساءلة، وتؤجّل أسئلة الإصلاح السياسي بدل حسمها.
تتجسّد النتيجة المباشرة لهذا النموذج في اتساع الفجوة بين الخطاب والمؤسسات من جهة، والواقع الفعلي لصناعة القرار من جهة أخرى.
فبينما يُستدعى الدستور في المناسبات الرسمية، وتُرفع شعارات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، يظل المواطن بعيدًا عن فهم كيفية اتخاذ القرارات التي تمسّ حياته اليومية، من كلفة المعيشة إلى السياسات الاجتماعية، وصولًا إلى اختيارات الاستثمار والشراكات الخارجية.
لا يعكس هذا الوضع أزمة حكم بالمعنى الكلاسيكي، لكنه يضع المغرب أمام تحدٍّ بنيوي حقيقي: كيف يمكن الاستمرار في إدارة الاستقرار عبر مركزية القرار دون أن يتحوّل ذلك إلى عائق أمام تجديد السياسة وتعزيز الثقة وتوسيع المشاركة؟ وكيف يمكن ضبط نفوذ الشركاء الاقتصاديين، ومن بينهم الإمارات، ضمن رؤية واضحة للسيادة والمصلحة العامة بدل تركه يتغلغل بصمت خارج أي نقاش عمومي؟
يقف المغرب اليوم أمام مفترق دقيق.
فإما تحويل مركزية القرار إلى رافعة لإصلاح مؤسساتي حقيقي يعيد الاعتبار للسياسة والمساءلة ويؤطّر الشراكات الخارجية ضمن نقاش وطني شفاف، أو الاكتفاء بإدارة الاستقرار بمنطق فوقي يُؤجّل الأسئلة بدل الإجابة عنها.
وفي هذا التأجيل، لا يكمن الخطر على استقرار الدولة، بقدر ما يكمن على قدرتها على تجديد مشروعها السياسي والاجتماعي في المدى المتوسط.
