An Institutional Agreement in an Era of Shielded Markets: Are Laws Enough to Break Market Dominance?
وقّع مجلس المنافسة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، يوم الخميس بالرباط، اتفاقية تعاون تروم تعزيز التنسيق والتكامل المؤسساتي في مجالات ضبط الممارسات الاقتصادية، وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة، والوقاية من السلوكيات المنافية لقواعد المنافسة الحرة والمشروعة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق اقتصادي يتسم بتعقّد بنية السوق الوطنية، وتنامي مظاهر التركّز والهيمنة داخل عدد من القطاعات الحيوية، ما يجعل من هذه الاتفاقية أكثر من مجرد إجراء تنظيمي، ويضعها في موقع اختبار حقيقي لمدى قدرة الإطار القانوني والمؤسساتي على تفكيك اختلالات راسخة في الممارسة الاقتصادية.
ووفق المعطيات الرسمية، تهدف الاتفاقية إلى إرساء إطار مهيكل لتبادل المعلومات وتقاسم الخبرات والتنسيق بخصوص الملفات التي تهم القطاعين العام والخاص، بما يعزز قدرة المؤسستين على تتبع ديناميات السوق، والتصدي للممارسات التي تمس بقواعد المنافسة والنزاهة، وتؤثر بشكل مباشر على المستهلك وعلى مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس مجلس المنافسة أحمد رحو أن الاتفاقية تشكل لبنة أساسية لحماية المواطن والمستهلك من انحرافات السوق، وللتأكيد على احترام قواعد المنافسة والأسعار، مبرزًا أن المغرب يتوفر على ترسانة قانونية متكاملة تضمن، من حيث المبدأ، حسن سير الأسواق.
غير أن هذا الطرح يعيد إلى الواجهة سؤالًا ظل حاضرًا بقوة في النقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة، ويتعلق بالفجوة القائمة بين وفرة النصوص القانونية ومحدودية أثرها العملي داخل عدد من القطاعات، حيث لم تُفضِ التقارير والآراء الصادرة عن الهيئات المختصة، في حالات عديدة، إلى تغييرات ملموسة في بنية السوق أو في مستويات الأسعار.
ويبرز قطاع المحروقات كأحد أكثر الأمثلة دلالة على هذا التحدي. فرغم تحرير الأسعار، ورصد اختلالات مرتبطة ببنية السوق وهوامش الربح، ظل الأثر التنظيمي محدودًا على مستوى إعادة التوازن بين الفاعلين أو تخفيف العبء عن المستهلك، ما رسّخ لدى الرأي العام إحساسًا بوجود سوق محصّنة يصعب اختراقها بآليات الضبط التقليدية.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في قطاعات أخرى، من قبيل زيوت المائدة وبعض المواد الغذائية الأساسية، حيث تتكرر شكاوى ضعف المنافسة الفعلية وارتفاع مستويات التركّز، مقابل غياب مسارات زجرية واضحة أو تدخلات منسقة تعكس تقاطعًا فعليًا بين ضبط المنافسة ومكافحة الفساد الاقتصادي.
من جهته، شدد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها محمد بنعليلو على أن هذه الشراكة لا تندرج في إطار إجراء شكلي، مؤكدًا أن الرشوة لا تقتصر على تدبير الشأن العام، بل تمتد إلى ممارسات القطاع الخاص حين تنحرف عن قواعد النزاهة وتكافؤ الفرص، سواء عبر استغلال مواقع القوة الاقتصادية أو عبر الامتيازات المرتبطة بوضعيات الاحتكار والهيمنة.
ويعيد هذا الطرح تسليط الضوء على منطقة تداخل ظل التعامل معها بحذر مؤسساتي، وتتعلق بالعلاقة المركبة بين الفساد الاقتصادي والممارسات المنافية للمنافسة، حيث يصعب في كثير من الحالات الفصل بين السلوك الاحتكاري المحض والسلوك المرتبط باستغلال النفوذ أو ضعف تكافؤ الفرص داخل السوق.
وتنص الاتفاقية على اعتماد مقاربة منسقة للوقاية من هذه الممارسات وزجرها، إلى جانب إحداث آلية مشتركة للتنفيذ والتتبع.
غير أن الرهان الأساسي لا يكمن في إحداث هذه الآلية في حد ذاتها، بل في مدى قدرتها على الاشتغال على ملفات حساسة، وتحويل تبادل المعلومات إلى قرارات تنظيمية مؤثرة، تتجاوز منطق التشخيص إلى إحداث أثر ملموس داخل السوق.
فالتجربة أظهرت أن الإشكال لا يرتبط دائمًا بغياب المعطيات أو ضعف التحليل، بقدر ما يرتبط بصعوبة الانتقال من الرصد إلى التدخل، ومن التنسيق المؤسساتي إلى إعادة التوازن الفعلي في قطاعات تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع مراكز تأثير متعددة.
وبينما تشكل هذه الاتفاقية خطوة إيجابية على مستوى التقارب المؤسساتي، فإن فعاليتها ستظل رهينة بقدرتها على كسر منطق الانتظارية، وترجمة الالتزامات المعلنة إلى تدخلات عملية تعيد الاعتبار لمبدأ المنافسة الحرة، وتحمي المستهلك، وتعزز الثقة في آليات تنظيم الاقتصاد الوطني، بعيدًا عن الاكتفاء بإدارة الاختلال بدل تصحيحه.
