يستعدّ المغرب للحصول على قرض جديد بقيمة 500 مليون دولار من البنك الدولي، تحت عنوان دعم سوق الشغل وتحسين إدماج الشباب والنساء.
تمويل يُقدَّم، مرة أخرى، باعتباره استجابة لإكراهات اجتماعية متفاقمة، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، ولم يعد من الممكن القفز عليه، هو: هل نحن أمام سياسة تشغيل حقيقية، أم أمام إعادة تدوير البطالة كحجّة تمويلية؟
الأرقام الرسمية كافية لنسف الخطاب المطمئن.
فبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة 13.1%، مع مستويات قياسية في صفوف الشباب والنساء.
وهي أرقام لم تُسجَّل عقب أزمة واحدة أو ظرف استثنائي، بل بعد سنوات من البرامج والاستراتيجيات والتمويلات التي رُفعت جميعها تحت شعار “التشغيل”.
هنا تبرز مسؤولية الحكومة بشكل مباشر. فخلال ولايات متعاقبة، جرى تسويق سياسات عمومية على أساس قدرتها على خلق فرص الشغل، وربطت السلطة التنفيذية بين الاستثمار والنمو من جهة، والتشغيل من جهة أخرى.
غير أن الواقع يكشف مفارقة صادمة: النمو يتحقق، القروض تتدفق، لكن الشغل لا يأتي.
الخطير في الأمر لا يقتصر على ضعف النتائج، بل يتجلى أساسًا في غياب أي مساءلة سياسية حقيقية حول مآل القروض السابقة الموجّهة للتشغيل. أين صُرفت هذه التمويلات؟ ما أثرها الفعلي؟ كم منصب شغل قار تم إحداثه على أرض الواقع؟ أسئلة مشروعة لا تحضر في الخطاب الحكومي إلا بصيغ عامة، دون أرقام دقيقة، أو تقييم مستقل يربط التمويل العمومي بالأثر الاجتماعي.
وفي كل مرة، تفضّل الحكومة تقديم البطالة باعتبارها معطًى خارجيًا: ظرف دولي، جفاف، تضخم، تحولات بنيوية.
غير أن هذا الخطاب يتفادى الاعتراف بأن السياسات المعتمدة ركّزت على مؤشرات ماكرو-اقتصادية، وأهملت جوهر العدالة الاجتماعية: الحق في الشغل. فالاستثمار الذي لا يُلزم بخلق مناصب، والبرامج التي لا تُقاس بنتائج، تتحول إلى واجهة تقنية بلا أثر اجتماعي يُذكر.
التمويل الجديد يأتي في سياق خطة حكومية طموحة لإحداث 1.45 مليون منصب شغل إضافي. غير أن الجرأة السياسية تقتضي طرح سؤال بسيط ومباشر: ما الذي تغيّر في أدوات الحكومة حتى نُصدّق أن هذه المرة ستكون مختلفة؟ فالنفس الخطاب يتكرر، والآليات نفسها تُعاد، والوعود لا تتغير، مع فارق واحد: رقم قرض جديد.
بهذا المعنى، يصبح العاطل الحلقة الأضعف داخل معادلة مختلّة يُستدعى اسمه لتبرير التمويل، ويُغيب حضوره عند التقييم.
فلا إشراك حقيقي، ولا شفافية في الحصيلة، ولا ربط واضح بين المال العام ونتائج التشغيل.
وهو ما يطرح سؤالًا سياسيًا ثقيلًا: هل تحوّلت البطالة من أزمة اجتماعية إلى أداة تفاوض مالي؟
الرهان اليوم لا يكمن في الدفاع عن قرض أو رفضه، بل في وضع الحكومة أمام مسؤوليتها الكاملة. فإما أن تُقدّم كشف حساب صريح حول القروض السابقة وسياسات التشغيل، أو يستمر منطق الهروب إلى الأمام، حيث تُراكم الديون… وتُراكم معها أعداد العاطلين.
