بقلم: الحيداوي عبد الفتاح
مثلت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة (IER) في المغرب إحدى أبرز محاولات تدبير إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بما عُرف بـ«سنوات الرصاص». وقد جرى تقديم هذه التجربة، داخلياً وخارجياً، بوصفها نموذجاً عربياً متقدماً في العدالة الانتقالية، يقوم على الاعتراف، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. غير أن هذه التجربة، رغم رمزيتها السياسية والحقوقية، كشفت عن حدود بنيوية عميقة، أبرزها الاستثناء المنهجي لفئة المعتقلين السلفيين على خلفية أحداث 16 ماي 2003 من مسار الإنصاف والمصالحة.
لا يمكن فهم هذا الاستثناء باعتباره مجرد تفصيل إجرائي أو تقني، بل هو مدخل مركزي لفهم التوتر البنيوي القائم بين منطق حقوق الإنسان ومنطق الأمن في الدولة المغربية، خاصة في سياق ما بعد الصدمة الإرهابية. لقد أعيد ترتيب الأولويات السياسية والقانونية، ما أدى إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ(ب) العدالة الانتقالية المشروطة بالأمن، حيث يتم تطبيق آليات العدالة الانتقالية بشكل انتقائي ومحدود زمنياً، بناءً على حسابات أمنية وسياسية تهدف إلى إدارة الذاكرة أكثر من تحقيق العدالة الشاملة. يهدف هذا المقال إلى تحليل هذا التوتر وتفكيك ثنائية الضحية/المشتبه به التي أفرزها، وتقديم تصور جديد لضرورة الانتقال من العدالة التراجعية إلى العدالة الهيكلية في السياق المغربي.
أولاً: الإطار النظري: من العدالة الانتقالية إلى العدالة المشروطة بالأمن
إن التحديد الزمني لاختصاص هيئة الإنصاف والمصالحة (من الاستقلال إلى سنة 1999) لم يكن مجرد تحديد تقني، بل كان قراراً سياسياً يهدف إلى إدارة الذاكرة الوطنية عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:
- تأطير الماضي: حصر الانتهاكات الجسيمة في مرحلة زمنية محددة (سنوات الرصاص)، وفصلها عن ممارسات الدولة في العهد الجديد.
- شرعنة الحاضر: تجنب الدولة مساءلة ممارسات أمنية حديثة جرت تحت غطاء قانون مكافحة الإرهاب، مما سمح بإعادة تدوير آليات القمع تحت مبررات قانونية جديدة.
- تقسيم الضحايا: خلق تمييز حاد بين ضحايا سياسيين شرعيين (معتقلو اليسار والإسلاميون القدامى) وضحايا أمنيين غير معترف بهم (معتقلو قضايا الإرهاب).
إن هذا التحديد الزمني، الذي يجسد النموذج التراجعي للعدالة الانتقالية، الذي يحصر العدالة في معالجة الماضي المغلق زمنياً، مما أضعف مبدأ ضمان عدم التكرار. فبمجرد أن ظهر تهديد جديد (الإرهاب)، تراجعت الدولة عن التزاماتها الحقوقية، وأعادت إنتاج الانتهاكات تحت منطق الاستثناء الأمني. التحول يفرض تبني .
مفهوم العدالة المشروطة بالأمن لوصف التجربة المغربية، حيث تظل العدالة الانتقالية أداة سياسية مرنة، يتم تفعيلها أو تجميدها بناءً على تقييم السلطة للتهديدات الأمنية القائمة.
ثانياً: التحول في ثنائية الضحية/الجاني
شكلت أحداث 16 ماي 2003 لحظة فاصلة في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع في المغرب، ليس فقط على مستوى “السياسات الأمنية”، بل على مستوى السردية الرسمية التي أعادت تعريف الماضي والحاضر معاً. فقد انتقل الخطاب الرسمي، بشكل واضح، من توصيف الدولة باعتبارها فاعلاً سياسياً متورطاً في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان خلال ما عرف بسنوات الرصاص، إلى تقديمها كفاعل دفاعي مشروع يخوض معركة وجودية ضد تهديد إرهابي عابر للحدود.
هذا التحول لم يكن مجرد تعديل لغوي أو ظرفي، بل أعاد بناء ثنائية الضحية/الجاني من جذورها، وغير معايير الشرعية، وحدود التعاطف، وأشكال المساءلة.
في مرحلة ما قبل 1999، كان النقاش العمومي والحقوقي يتمحور حول مسؤولية الدولة عن القمع السياسي، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب، في سياق صراعها مع معارضيها السياسيين. كانت صورة المعتقل، مهما كانت خلفيته الإيديولوجية، تُدرج ضمن خانة “الضحية السياسية” التي استهدفت بسبب الرأي أو الانتماء أو الاشتباه السياسي. ومن هذا المنطلق، تشكلت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة كآلية استثنائية للاعتراف، وجبر الضرر، ورد الاعتبار، في إطار عدالة انتقالية تسعى إلى طي صفحة الماضي دون إنكارها، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
غير أن تفجيرات 16 ماي 2003 أحدثت قطيعة عميقة مع هذا الأفق. فقد فرض الحدث، بحمولته الدموية والرمزية، منطقاً أمنياً جديداً أعاد ترتيب الأولويات، وسمح بإعادة تعريف الدولة بوصفها “الضحية المحتملة” التي تتعرض لتهديد وجودي من قبل فاعلين غير تقليديين، لا ينتمون إلى حقل المعارضة السياسية الكلاسيكية، بل إلى فضاء “الإرهاب”. في هذا السياق، لم يعد المعتقل يُنظر إليه كنتاح لعنف سياسي سابق، بل كخطر مستقبلي ينبغي تحييده استباقياً، ولو على حساب الضمانات الحقوقية.
هذا التحول انعكس بوضوح في الإطار القانوني، حيث جرى الانتقال من ممارسات استثنائية غير مقننة خلال سنوات الرصاص إلى إجراءات استثنائية مؤطرة بقانون مكافحة الإرهاب لسنة 2003. ورغم الطابع القانوني لهذا التحول، فإن جوهره ظل استثنائياً، إذ أعاد توسيع صلاحيات الضبط والاعتقال، وتشديد العقوبات، وتقييد معايير المحاكمة العادلة، تحت ذريعة الضرورة الأمنية. وهكذا، لم يعد السؤال المركزي هو: ماذا وقع في الماضي ومن يتحمل مسؤوليته؟ بل أصبح: ماذا يمكن أن يقع مستقبلاً وكيف يمكن منعه؟
ضمن هذا الإطار، جرى إخراج ملف المعتقلين السلفيين من فضاء العدالة الانتقالية، وإقصاؤه من منطق جبر الضرر الشامل. فالسلفي الجهادي، في المخيال الرسمي، لا يُستحضر كضحية انتهاك سابق، بل كفاعل محتمل للعنف، حتى عندما يتعلق الأمر بتجاوزات مثبتة في مساطر الاعتقال أو المحاكمة. وبذلك، أُغلقت أمامه أبواب الاعتراف الحقوقي، وحُولت قضيته من مسألة حقوقية وسياسية إلى ملف أمني صرف.
ولعل الدلالة الأعمق لهذا التحول تتجلى في اختلاف آليات المعالجة. ففي حين اعتمدت الدولة، في سياق سنوات الرصاص، مقاربة قائمة على الاعتراف الرمزي والمادي بالضرر، اختارت، في ملف السلفيين، مقاربة المراجعات الفكرية عبر برنامج مصالحة الذي يركز على إعادة تأهيل الفرد إيديولوجياً ودينياً، لا على مساءلة الدولة عن أفعالها. هنا، لا يُفترض وجود ضحية وجانٍ، بل منحرف فكرياً يحتاج إلى تصحيح قناعاته، مقابل إمكانية الإفراج أو الإدماج المشروط.
بهذا المعنى، لم يكن إقصاء المعتقلين السلفيين من مسار العدالة الانتقالية قراراً عرضياً، بل نتيجة منطقية لتحول عميق في تصور الدولة لذاتها ولدورها. فالدولة التي تعترف بخطايا الماضي لا تستطيع، في الوقت نفسه، الاعتراف بانتهاكات في سياق تعرفه كـ”حرب وقائية” ضد خطر مستقبلي. ومن ثم، أصبح المعتقل السلفي عالقاً في منطقة رمادية: لا هو فاعل سياسي يناقش، ولا هو ضحية تُجبر أضرارها، بل تهديد محتمل يبرر استمرار الاستثناء، ويغلق أفق العدالة الشاملة.
إن هذا الوضع يطرح، في العمق، سؤالاً إشكالياً حول حدود العدالة الانتقالية ذاتها: هل هي آلية ظرفية مرتبطة بنوع معين من الضحايا والسياقات، أم مبدأ كوني يفترض شمول كل الانتهاكات، بغض النظر عن هوية الضحية أو طبيعة الخطر؟
في الحالة المغربية، يبدو أن الجواب العملي مال نحو الخيار الأول، ما جعل الذاكرة الحقوقية انتقائية، والعدالة مشروطة، والمصالحة غير مكتملة، طالما بقيت فئات كاملة خارج سردية الاعتراف وجبر الضرر.
ثالثاً: المفارقة القانونية: تكرار الانتهاكات تحت غطاء قانوني جديد
أثارت قضية معتقلي ما بعد 2003 إشكالات حقوقية عميقة، خصوصاً في ضوء توثيق منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية لانتهاكات جسيمة طالتهم، شملت الاعتقال التعسفي، الاختفاء القسري المؤقت، التعذيب الجسدي والنفسي، والمس بضمانات المحاكمة العادلة.
المفارقة الجوهرية تكمن في أن هذه الانتهاكات تشبه، في طبيعتها وجسامتها، تلك التي عرفت خلال سنوات الرصاص. هذا التكرار يطرح سؤالاً جوهرياً حول انتقائية الاعتراف بالضحية وهشاشة مبدأ عدم التكرار. فإذا كان المعيار هو جسامة الانتهاك، فلماذا يُستبعد ضحايا “المرحلة الأمنية”؟
الإجابة تكمن في الاستخدام السياسي للقانون. ففي حين كانت انتهاكات سنوات الرصاص تتم في غياب إطار قانوني واضح، جرت انتهاكات ما بعد 2003 تحت غطاء قانون مكافحة الإرهاب (2003)، الذي منح الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة، ما أدى إلى “شرعنة” الانتهاك وتحويله من فعل غير قانوني (في الماضي) إلى إجراء أمني ضروري (في الحاضر). هذا التحول هو الذي قوّض الثقة في مصداقية المصالحة الوطنية، وأكد أن العدالة الانتقالية في المغرب لم تنجح في تحقيق الإصلاح الهيكلي للمؤسسات الأمنية والقضائية.
رابعاً: جبر الضرر المزدوج: بين الإنصاف والمراجعات الفكرية
يمكن فهم مسار معالجة الدولة المغربية لملف المعتقلين السلفيين خارج الإطار العام لإعادة ترتيب أولوياتها بعد صدمة 16 ماي، حيث انتقل مركز الثقل من منطق العدالة الانتقالية، كما تبلور في تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، إلى منطق التدبير الأمني الوقائي، الذي يجعل من إدارة الخطر هدفاً أعلى من تفكيك جذور الانتهاك. هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في الأدوات، بل مثل إعادة تعريف ضمنية لمفهوم الضحية نفسه: من ذات حقوقية تعرضت لانتهاك يستوجب الاعتراف وجبر الضرر، إلى فاعل مُلتبس يُطالب أولاً بإثبات صلاحه الفكري قبل أي حديث عن الإنصاف.
في هذا السياق، ظهر برنامج مصالحة كآلية موازية لا تنتمي فعلياً إلى منطق العدالة الانتقالية، رغم استعارتها لبعض مفرداتها الرمزية. فبينما قامت هيئة الإنصاف والمصالحة على مبدأ جوهري مفاده أن الدولة، بوصفها سلطة عمومية، تتحمل مسؤولية الانتهاكات الجسيمة بصرف النظر عن هوية الضحية أو قناعاتها، يقوم برنامج مصالحة على منطق معاكس تقريباً، إذ يعاد ترتيب العلاقة بين الدولة والمعتقل على أساس تعاقدي غير متكافئ: الإفراج وإعادة الإدماج مقابل المراجعة الفكرية والاعتراف الضمني بخطأ المسار العقائدي.
هذا التحول يعكس انتقالاً من جبر الضرر بوصفه حقاً إلى جبر الضرر بوصفه امتيازاً مشروطاً. فالمعتقل السلفي لا يُنظر إليه كضحية محتملة لانتهاكات إجرائية أو قانونية، بل كخطر مؤجل ينبغي تحييده وإعادة تشكيله. ومن ثم، تصبح المراجعة الفكرية ليست أداة مساعدة على الإدماج، بل شرطاً تأسيسياً للاعتراف الجزئي بالمظلومية. هنا لا يعود السؤال المركزي: هل تعرض هذا الشخص لمحاكمة عادلة؟ بل يصبح: هل تخلى عن الأفكار التي تعتبرها الدولة مصدراً للتهديد؟
هذا المنطق لا يلغي الانتهاك بقدر ما يعلقه، ويحوله من قضية حقوقية إلى مسألة تقديرية خاضعة لمعيار حسن السلوك الفكري. وبهذا المعنى، فإن برنامج مصالحة
لا يسعى إلى مساءلة الماضي بقدر ما يسعى إلى تأمين المستقبل، حتى وإن كان الثمن هو تهميش مبدأ المساواة أمام الحقوق. فالاعتراف بالضرر لا يتم هنا على أساس معايير قانونية موضوعية، بل على أساس قابلية المعتقل للاندماج في سردية الدولة حول الإسلام المعتدل والأمن الروحي.
في المقابل، يكشف تطور الخطاب الحقوقي لدى المعتقلين السلفيين ومحيطهم عن تحول دال في بنية الوعي السياسي داخل هذا التيار. فبعد سنوات من الارتهان للخطاب العقدي، بدأ يتشكل خطاب جديد أقل راديكالية في لغته، وأكثر براغماتية في مطالبه، يقوم على الفصل بين الفكرة بوصفها قناعة شخصية، والفعل بوصفه موضوعاً للمساءلة الجنائية. هذا التحول لا يعني تبنياً كاملاً للمنظومة الليبرالية لحقوق الإنسان، بقدر ما يعكس إدراكاً عملياً لفاعلية هذا الخطاب في فضاء عمومي لا يعترف إلا بلغة الحقوق والمعايير الدولية.
الأهم في هذا التحول أنه نقل الصراع من مستوى الشرعية الدينية إلى مستوى الشرعية القانونية. فبدلاً من الدفاع عن صحة المنهج أصبح التركيز موجهاً نحو سلامة الإجراءات، واستقلال القضاء، ورفض العقاب الجماعي القائم على الاشتباه الإيديولوجي. وبهذا، لم يعد المعتقل السلفي يقدم نفسه باعتباره استثناء أخلاقياً أو صاحب رسالة فوق-قانونية، بل كذات قانونية تطالب بما هو كوني وغير قابل للتصرف، حتى وإن ظل الخلاف قائماً حول مضمون أفكاره.
غير أن هذا التقاطع الجزئي مع خطاب حقوق الإنسان، يظل محكوماً بسقف الدولة نفسها، التي تقبل به ما دام لا يتحول إلى مساءلة جذرية لمنطق الأمن قبل العدالة. فالمفارقة الكبرى أن الدولة، وهي تدعو إلى المراجعات الفكرية، لا تخضع خياراتها السياسية والأمنية لأي مراجعة موازية، إذ يتم التعامل مع الفكر كسبب للأزمة، بينما يستبعد النقاش حول دور السياسات العمومية، والمحاكمات الاستثنائية، والتوسع في التجريم، في إنتاج الراديكالية نفسها.
هكذا، يتجسد جبر الضرر المزدوج في صورة غير متوازنة: ضرر مادي ورمزي أصاب المعتقلين بفعل اختلالات العدالة، وضرر معنوي أصاب مفهوم الحقوق ذاته حين جرى تسييسه وأمننته. وبين هذين الضررين، يتأرجح مسار المصالحة في المغرب، عاجزاً عن حسم اختياره بين دولة تصف مواطنيها بصفتهم متساوين في الكرامة والحقوق، ودولة تعيد إدماجهم بوصفهم مخاطر سابقة تم احتواؤها بشروط. والنتيجة هي مصالحة ناقصة، تدير الأزمة أكثر مما تعالجها، وتؤجل سؤال العدالة بدل أن تجيب عنه.
خامساً: الإشكال المفاهيمي وحدود العمل الحقوقي
يبرز هذا الملف أيضاً أزمة داخل بعض الكتل الحقوقية التي انغلقت على ذاتها، وحولت معاناتها إلى قضية داخلية غير قادرة على التحول إلى وعي مجتمعي
عام. فالعدالة لا تبنى بالانعزال، بل بالانفتاح على فاعلين حقوقيين مستقلين، والانتقال من الدفاع عن الجماعة إلى الدفاع عن الإنسان بوصفه قيمة كونية. لقد فشلت الحركة الحقوقية التقليدية في المغرب في توسيع مظلة الضحية لتشمل ضحايا المرحلة الأمنية الجديدة. هذا الفشل سمح للدولة بتكريس تجزئة الحقوق، حيث يتم الاعتراف بضحايا الأمس (الذين لم يعودوا يشكلون تهديداً) وإقصاء ضحايا اليوم (الذين يُنظر إليهم كتهديد). إن تحويل قضية المعتقلين السلفيين إلى قضية إنسانية جامعة، هو السبيل الوحيد لمنحها مشروعية اجتماعية وأخلاقية، خاصة حين يتعلق الأمر بضحايا توفوا في أماكن الاحتجاز، أو بعائلات أنهكها الوصم والإقصاء.
خاتمة وتصور جديد
تكشف قضية استثناء المعتقلين السلفيين من مسار الإنصاف والمصالحة عن حدود بنيوية في التجربة المغربية للعدالة الانتقالية، التي بقيت مشروطة بسقف سياسي وأمني واضح. لقد أفرز هذا الاستثناء ثنائية خطيرة بين ضحايا شرعيين وضحايا غير معترف بهم، مما أضعف مبدأ المساواة أمام القانون، وفتح الباب أمام إعادة إنتاج الانتهاكات تحت مبررات جديدة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في توسيع التعويض فقط، بل في إعادة التفكير في العدالة الانتقالية بوصفها مساراً مفتوحاً وهيكلياً، قادراً على مواجهة الحاضر بقدر ما يصلح الماضي. يتطلب هذا التصور الجديد ما يلي: - إلغاء الشرط الأمني: يجب أن يكون معيار الإنصاف هو كرامة الإنسان وجسامة الانتهاك الذي تعرض له، لا طبيعة تهمته أو خلفيته الفكرية.
- الإصلاح الهيكلي الفعلي: يتوجب إصلاح القوانين الاستثنائية (كقانون مكافحة الإرهاب) والمؤسسات الأمنية والقضائية لضمان عدم تكرار الانتهاكات تحت أي مسمى.
- توحيد المسارات: دمج جميع ملفات الانتهاكات الجسيمة، بغض النظر عن تاريخ وقوعها أو خلفية الضحية، ضمن آلية حقوقية واحدة ومستقلة.
- توسيع الوعي الحقوقي: على الفاعلين الحقوقيين تبني خطاب كوني وشامل للحقوق، يتجاوز الانتماءات الإيديولوجية والسياسية، لكسر حاجز التجزئة الذي تفرضه الدولة.
إن العدالة الانتقالية الحقيقية هي تلك التي تضمن أن منطق الأمن لا يمكن أن يحل محل منطق الحقوق، وأن مبدأ عدم التكرار لا يقتصر على الماضي، بل يمتد ليحمي الحاضر والمستقبل.
