Between the Hammer of Defamation and the Anvil of Accountability: Has Exposing Corruption Become a Risky Endeavor?
لم تكن إدانة محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، بمراكش مجرد حكم قضائي عابر في ملف سب وقذف تقليدي، بل هي واقعة تُعيد ترتيب الأسئلة الحارقة حول المسافة الفاصلة بين مكافحة الفساد وبين التشهير، وبين سرية التحقيق والحق في الوصول إلى المعلومة.
فالمحكمة الابتدائية، برغم تبرئتها للغلوسي من جنحة السب، إلا أنها ثبتت إدانته بـ “بث ادعاءات كاذبة” و”انتهاك سرية التحقيق”، وهو تمييز قضائي يشير إلى أن المحكمة ترى أن النقد مسموح، لكن الخوض في تفاصيل الملفات القضائية الرائجة قبل صدور أحكام نهائية قد يُعتبر تجاوزاً للخطوط الحمراء.
وتطرح هذه القضية إشكاليات كبرى تمس جوهر دولة الحق والقانون؛ أولها سلاح “التشهير”، حيث يبرز التساؤل حول ما إذا كان الحديث عن شبهات فساد تتعلق بمسؤول عمومي يُعتبر تشهيراً شخصياً أم كشفاً لخلل في تدبير الشأن العام.
إن الخط الفاصل هنا رفيع جداً، وإدانة الفاعلين الحقوقيين بهذا المقتضى قد تؤدي إلى نوع من “الرقابة الذاتية” التي تضعف الدور الرقابي للمجتمع المدني.
كما تبرز قضية قدسية “سرية التحقيق” كعائق أمام الشفافية، فإذا كان المال العام “عاماً” بطبيعته، فإن الاهتمام الشعبي بمساراته يخرج عن نطاق الأسرار الخاصة ليدخل في صلب المحاسبة.
من جهة أخرى، فإن إشارة الغلوسي إلى عدم استدعاء الشهود ووجود عيوب شكلية، تضع القضاء أمام تحدي إثبات أن الحكم لم يكن متسرعاً أو انتقائياً، خاصة وأن الخصم في القضية يتمتع بصفة تمثيلية وسياسية.
وبعيداً عن منطق الإدانة أو البراءة، يقرأ الكثيرون في هذا الحكم رسالة “تبريد” لملفات الفساد التي يتبناها المجتمع المدني؛ ففي الوقت الذي يطالب فيه الشارع المغربي بربط المسؤولية بالمحاسبة، تأتي إدانة أحد أبرز الوجوه التي ترفع هذا الشعار لتثير مخاوف من تغول النفوذ السياسي على الأصوات النقدية.
إن المعركة التي أعلن الغلوسي نقلها إلى محكمة الاستئناف ليست معركة شخصية، بل هي معركة من أجل الحق في التبليغ عن الفساد دون خوف من المتابعة.
وإذا كان القضاء هو الحصن الذي يحمي سمعة الأفراد، فإنه أيضاً يجب أن يكون الدرع الذي يحمي من يتطوعون للدفاع عن ممتلكات الدولة.
إن الاستئناف سيكون الاختبار الحقيقي لمدى استيعاب المنظومة القضائية لدور المجتمع المدني كشريك في الإصلاح، وليس كخصم في ساحات المحاكم.
