الباحث بدر الجنيدي
بعد برودة الدم، وليلة لم تعرف النوم، وإرهاق بدني وجهد عصبي، أقول الآتي:
ربما هذا هو قدرنا مع هذه الكأس اللعينة، أو لعل جزيرة المغرب ستظل مختلفة عن الشرق.
والمغرب، بأصالتها وعبقها التاريخي، لا ينطق الموريسكي الجدد الذين يحاولون قطع امتداداتنا المؤسسة على روابط الدين، أو اختزال هويتنا في لحظة رياضية عابرة.
المغرب جزيرة، وهذه قناعة يؤكدها التاريخ، وتفضحها الوقائع الكاشفة لخصوصية سكان هذه الرقعة من العالم. لكن هذه الجزيرة لم تكن يوماً معزولة عن محيطها، فكما هاجها القراصنة، وقد عليها الوافدون والتائهون، فكانت لهم منارة وسط ظلام دامس، تتلاطم الأمواج في أحشائها.
علمتنا هذه الكأس أننا نعيش وسط حدود يتنفس كرامة بنجاح الكروي على الأقل، وما يجزه ذلك من مخلفات وتبعات، واكتشفنا فعلاً أننا نتقدم من بعد إعجازاً في بلدان أخرى: القطارات، الملاعب، الطرق والفنادق والأمن.
ومع ذلك، لا تزال أوراش كبرى مفتوحة؛ كالصحة والتعليم؛ تنتظر إرادات صادقة ورؤى واضحة، لا من أجل البناء فقط، بل للحفاظ على العمران الذي شيدته الأيادي الطامحة للعالمية. فقد أيقنا أننا نملك قدرة حقيقية على التحديث والتطوير، قدره إذا وُجهت جيداً يمكنها أن تصنع المعجزات.
ولا يفهم من قولنا إن المغرب جزيرة نزعة عنصرية تقصي الآخر أو تحرض إلى الانتقام منه، لكن من حق أهلها أن يحافظوا بقوة القانون، على هدوء مجالهم واستقرار أعماقهم.
إن الدعوات إلى تهجير مهاجري دول جنوب الصحراء بإطلاق يمكن تفهمها في لحظة غضب طائش، وتنفيس عن خيبة لقب قاري، عشنا نصف قرن نجوب أدغال القارة بحثًا عنه، ليختطف بجبن كروي في ليلة عرس بهيجة. غير أن الغضب مفهوم، وتحوله إلى سياسة أو قناعة أمر مرفوض.
فالعلاقات بين شعوب المنطقة ليست صنيعة حسابات “تيك توك” و”فيسبوك”، ولا نتاج مقاطع “يوتيوب” عابرة، بل هي أعمق من ذلك بكثير. وليست عنصرية كذلك أن نكتشف حقيقة أنفسنا، وتقدمنا، وحداثتنا، واختلافنا، فكراً، ونهجاً، وأسلوب عيش داخل قارة أنهكها الاستعمار، وقسمها، وفتتها، ونهب خيراتها، وعمق جهل أهلها.
عرفنا أيضًا أن طبيعتنا وفتح بيوتنا للغرباء ليس سذاجة، بل دليل رسوخ وجذور ممتدة في أعماق هذه الأرض. ومهما فعل الآخر سنظل سكان الجزيرة؛ يهاجمنا القراصنة تارة، ولنتعاون على مد يد العون للسفن التائهة تارة أخرى.
المطلوب الآن، بعد وابل الشتائم واللعنات التي انطلقت يمينًا ويسارًا، أن نفتح صفحة جديدة للمستقبل، وأن نلتف حول منتخبنا – على الأقل في هذه اللحظة – ربما تتوقف السكاكين الموجهة نحونا. وبعد ذلك، من أخطأ وجب أن يُحاسب، ومن ذهب بنا إلى “الكان” بدكة مليئة بالمصابين أو البعيدين عن التنافسية، عليه أن يرى وجهه في المرآة، وأن يتواضع قليلاً مع الكرة.
لقد استقبل القصر الملكي العامر الفريق الوطني، وبما أن الدار الكبيرة اختارت مواساتهم، فلتلك رسالة مفادها في نظري إنها قرأت الصورة في أبعادها الكبرى، وأرست يدها لانتشالنا جميعًا من أحقادنا الصغيرة التي انطلقت في لحظة هيجان صاخبة، وتذكرنا أيضًا أننا قد ننحني أمام العاصفة، لأجل مواصلة شموخنا، وأننا أسرة واحدة قد تختلف تقديرات أصحابها، لكن لا يدفعها ذلك لتهديم منزلها فوق رأسها.
ختامًا، ستظل هذه الجزيرة، المغرب، كما كانت: ملتقى للعالم، وصانعة لمسار هذه المنطقة،
وقائدة لقاطرة القارة.
جزيرة تضرب الانفلات ومسبباته، وتفتح ذراعيها للآخر في آن واحد.
الرسالة وصلت. أما النقد واللوم الآن، فهما فرصة في يد من يفرحه حزننا، فلا نهبه هذه الفرصة.
