كشفت مصادر إعلامية، اليوم الأربعاء 21 يناير 2026، أن الرأي العام التربوي استيقظ على صدمة لم تكن في الحسبان؛ إذ تحولت أوراق امتحانات “مؤسسات الريادة” من وثائق يُفترض أنها محصّنة بضوابط التقويم وصرامة الإصلاح، إلى صور عابرة تتلقفها الهواتف الذكية وتتداولها منصات التواصل الاجتماعي بسرعة مذهلة، في واقعة لم تكتف بإرباك الامتحانات فحسب، بل فتحت جرحًا عميقًا في الثقة التي حاولت الوزارة بناءها طيلة الأشهر الماضية.
ما يجعل الواقعة أكثر إثارة للقلق أنها لم تقع في محطة “البكالوريا” المعروفة بحساسيتها، بل مست سلك التعليم الابتدائي، الذي ظلّ لعقود بعيدًا عن صخب التسريبات والاختراقات، وهو ما يطرح سؤالًا موجعًا حول جدوى آليات التأمين والرقابة داخل مؤسسات جرى تقديمها كنموذج للحكامة والنجاعة. فكيف لمؤسسة تُسوق باعتبارها “مدرسة الريادة” أن تتعثر عند أول اختبار يهم مصداقية التقويم؟
بلاغ الوزارة الذي أعلن “إجراءات حازمة” وإلغاء الاختبارات التي طالها التسريب، قد يبدو في ظاهره قرارًا منصفًا لتكريس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، لكنه في عمقه يظل معالجة للنتائج أكثر مما هو مواجهة للأسباب.
لأن الحزم الحقيقي لا يبدأ من مطاردة الحلقة الأسهل في السلسلة، بل من مساءلة “هندسة الأمان” نفسها: من يضع المواضيع؟ كيف تُحفظ؟ من يملك حق الوصول إليها؟ وما الذي يجعلها قابلة للتداول بهذه السهولة؟
ويبدو أننا سقطنا مرة أخرى في فخ السرعة على حساب التأمين، حيث تم تقديم مؤسسات الريادة كعنوان تواصلي كبير لإصلاح المدرسة العمومية، بينما تم التغاضي عن قاعدة بسيطة: الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالشعارات ولا بالمساطر وحدها، بل ببناء منظومة ثقة وقيم ومسؤولية داخل المؤسسة التعليمية. فالتسريب ليس فقط خطأً تقنيًا، بل مؤشر على ثقافة “الاستسهال” التي ما تزال تتسلل إلى بعض مفاصل التدبير، وتتعامل مع الامتحان باعتباره إجراءً إداريًا روتينيًا، لا لحظة تربوية ترسم مصائر المتعلمين.
والأخطر أن الثمن الحقيقي لا تدفعه الإدارة وحدها، بل يدفعه التلميذ وأسرته.
لأن لحظة التقويم ليست ورقة تُلغى وتُعاد بسهولة، بل توتر نفسي، واستعداد، وخوف، وانتظار.
وحين يجد المتعلم أن مجهود أيام وربما أسابيع قد تحول إلى عبء إضافي بسبب عبث غير مسؤول، فإن الضرر لا يصيب نقطة في ورقة فقط، بل يصيب معنى العدالة داخل المدرسة.
إن إعادة الامتحان حل تقني لمعضلة أخلاقية وبنيوية.
والحلول التقنية قد تنقذ المسطرة، لكنها لا ترمم الثقة. وحدها المساءلة الواضحة، والتواصل الصريح مع الرأي العام التربوي، وتحديد المسؤوليات بشكل شفاف، هي ما يمكن أن ينقذ ما تبقى من صورة “الريادة” قبل أن تتحول إلى مجرد شعار جميل فوق أرض رخوة.
فإذا أصبحت المؤسسات “النموذجية” قابلة للاختراق بهذه السهولة… فما هو النموذج الذي سنقدمه للأجيال القادمة؟ ومن يحمي مجهود “وليداتنا” حين يصبح الامتحان نفسه مهددًا من الداخل قبل الخارج؟
