بقلم: حسن حلحول محامي بهيئة الرباط
إعلم أن العقلانية النقدية لبعض النصوص القانونية لمشروع 66/23 ، التي تستحق الحذف أو التغيير الجذري في بنيتها،هي التي تتعلق باستقلالية مهنة المحاماة وحصانتها والاحتفاظ بقوة مؤسسة النقيب، لتؤدي دورها المؤسساتي داخل وسط المحامين، وضمان تحقيق التوازن بين مكونات العدالة ، فلا يمكن أن تتحقق العدالة ولن يقوم لها قائمة إذا لم تحظ هذه العناصر الثلاثة 1)الاستقلالية 2) الحضانة 3) تقوية مؤسسة النقيب، بالحماية التشريعية التي يترجمها القانون المنظم للمحاماة على مستوى الممارسة على أرض الواقع ، لوضع حد لأي مساس بالحقوق المكتسبة التي تستمد كينونتها من المبادئ الكونية لمهنة المحاماة التي هي من ثوابتها في العالم ، فلا يمكن لمغرب المستقبل الذي ينظر إليه من طرف الشركات العابرة للقارات ،على أنه من البلدان العالم التي تستحق الاستثمار فيه بشكل كبير، ومن البلدان الأفريقية المرشحة والمرجحة الاستثمار فيه، وهذه الشركات أول ما تأخذه كمعيار للاستثمار في اي بلد هي منظومة العدالة كيف تسير، وخاصة المحاماة هل هي قوية تتمتع بالاستقلالية والحصانة والنزاهة كما هو في شأن المحاماة في الغرب ام لا؟ لأن إذا توفرت فيها هذه العناصر الثلاثة المتكاملة ،فإن هذا يغنيها من جلب معها محاميها من الخارج التي يكلفها مصاريف جد جد باهضة، قلنا هذا ودليل على هذا القول هو أن هذه الشركات الآن عندما تأت إلى المغرب نجدها من بين الشروط الأساسية التي تضعها هو التحكيم كشرط أساسي لتجنب اللجوء إلى القضاء، ثم الشرط الثاني هو أن تصاحب محاميها معها من الخارج للدفاع عنها في المحاكم المغربية حتى ولو كان هذا المحامي الذي تقدمه قادما معها من دولة لا يربطها اي اتفاقية بالمغرب يسمح له ممارسة المحاماة في المغرب وهذه من شروط الاذعان التي تضعها الشركات على المغرب ، إذن بدل من أن يقدم مشروع القانون 66/23 نسخة جد متقدمة تبين فيه محاماة قوية بستقلاليها وحصانتها تساير التطور المهول التي تعرفها الشركات وخاصة الخدماتية ، قدمت الحكومة قانونا فيه تراجعا ملحوظا عن المكتسبات وتضعف المحاماة كثيرا وهذا ما سيسيئ الى سمعة المغرب .
–’النصوص القانونية التي تمس المحاماة في ذاتها .
إن النظر بالرد على ما جاء في مشروع قانون 66/23 ،إن أول ما يفضي إليه هذا القانون هو المحال أن يكون له تأثير إيجابي في تنظيم مهنة المحاماة ، لأن الصيغ التي صيغت بها المواد المكونة للمشروع والمستعمل في النصوص، تفيد معنى المجمل والعموم ويعرف اصطلاحا عند الأصليين، كما جاء في الجزء الأول من كتاب البرهان للإمام الجويني: وهو المبهم ، والمبهم هو الذي لا يعقل معناه ،ولا يدرك مقصود اللفظ به.
إن المواد التي تحتاج إلى الدليل الاستقراء لبناء النقد العقلاني هي 30 31 33 34 35 38 41 42 45 50 73 77 79.
إن صياغة المادة 30 ليست سليمة ويرجع السبب الى أن العلة جاءت معيبة لأن المطلوب ههنا هو علة التشريع في الماضي من أجل التشريع في المستقبل، ولما كان في القانون الماضي ( الحالي 08/28) ينص في الفصل 29 على أن في حالة لم يتوصل النقيب إلى التوفيق في النزاع بين المحامين المشاركين … وجوبا عرضه على التحكيم وفي النص 66/23 استبدلت صيغة الوجوب التي هو حق ينفرد به السيد النقيب إلى إشراك فيه الأطراف بصيغة الإمكان، ولكن إذا لم يحصل اي حل من النقيب ولم يتمكن الأطراف على اتفاق لعرض النزاع على تحكيم ، لم يرد في النص من هي الجهة التي ستحسم في النزاع ، وقد يقول قائل القضاء ولكن هي نزاعات مهنية تتعلق بتدبير المكاتب، إني ألفت النظر الى أن عندما اتحدث في هذا النقاش عن ظاهرة النزاع بين المحامين فإني أقصد التحدث عن الأسرار وعن تجارب المهنة التي لن يفلح أحد في حلها سوى المحامين، وبالتالي فإن الصيغة الحقيقية التي أرى أنها مناسبة هي كالتالي ، ” اذا حدث نزاع مهني بين المحامين المشاركين أو المتساكنين ،أو مع الخلف العام لأحدهم، ولم يتوصل النقيب إلى التوفيق بينهم ، يحيله على مجلس الهيئة لحل النزاع ، وإذا ارتأى الأطراف حله عن طريق التحكيم يعهد إلى هيئة يختار محكمين من أعضاء المجلس يترأسهم النقيب ” لأن الإشراف النقيب او المجلس فيه وقار واحترام للمؤسسة والزملاء يتفهمون ويأخذون بمبدأ التنازلات الذي يكون هو المقترح لحل النزاع.
– المادة 31 : في مشروع 66/23 تتعلق بتكوين تخصصي لكسب صفة محام متخصص وفق الشروط المنظمة للمعهد، والشروط يحددها وزير العدل في الوقت الذي غيب فيه مؤسسات النقباء ،علما من له الصفة بالقيام بالدورات التكوينية هي الهيئات المحامين وليس غيرهم د وهذا يعمل به منذ زمان، إن تغييب وإقصاء الهيئات المحامين عنوة غير سليم هذه المادة شكلا ومضمونا،.
– المادة 33 : هي مادة طويلة تتضمن فرعين وكل فرع على فقرات ،فمن عيوب النصوص القانونية عند فقهاء القانون أن تحتوي المواد على أكثر من ثلاث فقرات مجملة ومركزة تفيد المعنى الواضح وتحدد الهدف كنتيجة، من اجل تجنب التناقض بين النصوص أخرى بل والقوانين ذات الصلة ،كما تضيق من اتساع مجال تأويل النصوص في اتجاه يصعب معه ضبط القواعد التعامل مع النص ، ويلاحظ على المادة المذكور تكرار الذي يفضي اللبس مثل فقرة ١) تفعل نيابة عن الأطراف ومؤازرتهم الدفاع عنهم وتمثيلهم ، أيضا رقم ١) بتمثيل الغير والنيابة عنهم ، ٢) بالنيابة عن الأطراف وتمثيلهم ومؤازرتهم،
–المادة 34 : يشير النص إلى أن المحامي الأجنبي يمكن أن يؤازر الأطراف أمام المحاكم بعد تعيين محل المخابرة بمكتب محامي مسجل بجدول المحامين بعد حصول على الأذن من وزير العدل، لم يشير النص إلى ما إذا وقع له خلاف أو نزاع مع الزملاء أو مع هيئة الحكم هل يسند الأمر لبت في النزاع إلى النقيب ام إلى جهة أخرى؟ إن تغييب مؤسسة النقيب في مسألة المحامي الأجنبي يشكل فراغا تشريعيا يجب تداركه، كما أن المشرع استعمل مصطلح التآزر والمؤازرة لفظ يتداول في الحقل المعرفي عند القضاة والمحامي إذا تعلق الأمر بالجنح والجنايات، ولا يتبادر إلى الذهن القضايا المدنية.
– المادة 35 : إذا كان علة وجود هذا النص وأسباب إقراره واقحامه في قانون المهنة ، هو نتاج ضغط تمارسه شركات المستثمرة في المغرب ، على الحكومة بقبول شروطها وإحضار محاميها للدفاع عنها ،فإن ذلك يتعارض مع مبدأ سيادة القانون المحلي ويصطدم بها ، وفيه إضعاف بقدرة المحاماة، لا يكفي أن يعين محل المخابرة معه بمكتب احد المحامين بالهيئة ،بل يجب أن ينص على أن المحامي المغربي يختاره هذا المحامي الأجنبي التابع للشركة ويتابع معه ملفات الشركة ويحضر إلى جانبه في الجلسات ويشتغل معا وذلك فيه توفيق بين القانون الذي يمثل سيادة الدولة ومصالح الشركة الأجنبية.
– المادة 38 : يجب أن تحذف جملة وتفصيل، لا محل لها في قانون المهنة ، مجالها المسطرة المدنية بل حتى في هذا القانون فإن المتقاضين يجدون صعوبة في التواصل مع القاضي الذي يستعمل مصطلحات خاصة غير معروفة لدى عامة الناس، لا يعرفها إلا المختصين.
– المادة 41 : تنص المادة أن المحامي يخضع لزوما لتكوين مستمر وفق برنامج سنوي يعده المعهد. أولا إن استعمل مصطلح “لزوما ” في النص ليس في محله ، بل يجب أن ينبني و تأكيد على الارادية الاختيارية لا على الالزامية ، كما أن الهيئات لا اعتبار لها أفرغت من محتواها ،واسندت المهام إلى المعهد أي لوزارة العدل التي لها سلطة إدارة المعهد الذي يعد برنامج سنوي يخضع له المحامي.
– المادة 42 : ابتدأ النص بصيغة الوجوب أي يجب على المحامين المقبولين لدى محكمة النقض
أن يثبتوا سنويا أن يخضع لتكوين مستمر لمدة عشرين 20 ساعة على الأقل دون تحديد الأقصى،
وهذا غير مقبول اجباريا لأن المحامي الذي قضى عمره أي 30 أو 40 عاما في المهنة ، عليه أن يثبت كل سنة أن يخضع لتكوين تحت طائلة المخالفة المهنية تضع النيابة العامة يدها على الملف ،أن هذه المادة شاذة يجب حذفها حذفا ،ومسحها مسحا من المشروع.
– المادة 45: يمنع جلب الزبناء ويمنع القيام بكل إشهار، إن هذا المنع أصبح متجاوزا كلاسيكي أمام التطور الذي عرفته التكنولوجية الحديثة للتواصل الاجتماعي، وأن هذه الأخيرة باتت من الضروريات بل قريبا سيكون مكتب المحامي افتراضي يتعاقد مع الموكلين عبر التواصل الاجتماعي، وأذن يجب تحسين صياغة المادة واعادة التنصيص على جلب الزبناء والإشهار، وفق ما يسمح بها الأخلاق والقانون ليس فيها الميوعة ولا الإذلال بالمهنة وفق المعايير المعمول بها في الدول انكلوسكسونية.
– المادة 50: تعد هذه المادة من المواد لم استوعب كيف التنصيص عليها، يمنع على المحامين أن يتفقوا فيما بينهم ،على أن يوقفوا كليا عن تقديم المساعدة الواجب عليهم إزاء القضاء ، كأن المساعدة القضائية يمنع المحامين القيام بها وهذا لم يثبت في تاريخ المحاماة أن قامت بذلك بل كان يؤديها دون مقابل، ولكن قراءة ما بين السطور أكبر من هذا بل يراد منها ،هو منع المحامين من الإضراب عن الحضور في القضايا الجنائية التي يكون فيها إلزامية المحامي ضروريا .
يمنع على المحامي الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم وقت انعقاد الجلسات، إن هذا المنع يقصد به تكميم أفواه المحامين ، علما ان هذا المكان هو المكان الذي يقدم صورة رائعة وتحسن سمعة المغرب كبلد ديمقراطي يؤمن بحرية الرأي والتعبير.
— المادتان 73 : لن أتطرق إلى ما يجب أن يتقيد به المحامي من تقييد حسابات المبالغ المالية والسندات والقيم والعمليات المنجزة، لأن ذلك هو ما جاري به العمل في جميع دول العالم، ولكن لي ملاحظة جوهرية ،وهي ما جاء في السطر الأخير من المادة ” تعتبر المحاسبة الممسوكة بكيفية منتظمة من طرف المحامي وسيلة إثبات مقبولة (لدى الجهات المختصة) ما لم يثبت خلاف ذلك.
عبارة الجهات المختصة عبارة جاءت عامة مبهمة قابلة لتأويل، كان على كاتب النص أن يحدد هذه الجهة ولا يتركها عامة ،قد يقرأها القارئ هذه الجهة هي هيئات المحامين وقد يقرأها هي النيابة العامة وقد يقرأها القضاء وقد قرأها وزارة العدل طالما أنها تدخلت في كل صغيرة وكبيرة ، ههنا تكمن خطورة إبهام الجهات المختصة.
– المادة 77 : هذه المادة جد مهمة وخطيرة مناطها حصانة الدفاع المقدسة، التي لا تخص المحاماة في ذاتها ، بل أنها تخص المواطن وتخص العدالة التي لا موطن لها والتي توجد في كل مكان وزمان حية روحها هي روح الإنسان، فلا تراجع عنها ولا يجوز التخلي عن مكتسباتها.
إن الصيغة التي حرر بها النص جاءت بالشكل التالي ” تحرر المحكمة محضرا مستقلا بما قد” يحدث من إخلال” وتحيله إلى النقيب والى الوكيل العام للملك “لاتخاذ المتعين قانونا”
فإذا كانت الصيغة حاضرة في المادة 58 من قانون 08/28 وهي كالتالي: “تحرر المحكمة محضرا مستقلا بما قد يحدث من إخلال ، وتحيله على النقيب وعلى الوكيل العام للملك لاتخاذ ما قد يكون لازما”.
إن فلسفة النصوص المتحركة والمتغيرة عادة تأتي لسد الفراغ الذي يوجد في قانون الطبق،بالتعديل والتتميم ،لا أن يكرس نفس العيب ويحفظ به.
إني أرى ان العيد بناء صياغة المادة على مبدأ التقدير لفهم النص أكثر وهي:” قد يحدث (ماذا) إخلال (أي نوع من الإخلال) تحرر المحكمة محضرا مستقلا، وتحيله إلى (وصحيح على كما جاء في النص 08/28 ) النقيب والى الوكيل العام المختصين لاتخاذ المتعين قانونا.”
أولا ثمة مبدأ أساسي لا يمكن خرقه تحت طائلة بطلان أية متابعة. وهو مبدأ الشرعية الجنائية الذي ينص على أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص . يعني أن النص يجب أن يكون واضحا ودقيقا ومحددا
عدم وضوح النص قد يكون المحامي غير قادر على فهم ما هو مسموح به وما هو ممنوع عليه التطرق إليه في الدفاع عن موكليه ، لأن اللفظ اخلال او إخلالات جمع مؤنث سالم لفظ يفيد العموم مجرد عن القرائن يفيد الاستغراق أي التردد في قطع المعنى الصحيح، والدليل على أن حصانة المحامي مستهدفة في مشروع قانون 66/23 ، وقد يقول القائل بأن لفظ إخلال هو نفس في قانون الحالي ، نقول اي نعم مع وجود الفرق في العبارتين اللاحقين في آخر الفقرة ،إذ جاء في المشروع “لاتخاذ المتعين قانونا” وفي قانون الحالي ” لاتخاذ ما قد يكون لازما ” فهناك فرق واسع بين عبارة (ما قد يكون لازما )وسكت المشرع وبين (لاتخاذ المتعين قانونا ) فاللازم ليس هو المتعين قانونا لأن هذا الأخير يستغرق لازما، فاللازم قد يقتصر على التنبيه الشفوي وقد يكون على شكل تأنيب لتقديم الاعتذار، ما المتعين قانونا فإنه أصبح مهدد بإنزال العقوبة بالمحامي أثناء قيام بالدفاع عن موكليه ، فما يراه القاضي إخلال يراه المحامي دفاع عن الحق والعدالة حتى لا يقع الشطط في استعمال السلطة ، وبهذا يكون لفظ الإخلال الذي جاء عاما غير مخصص غير مقيد في كلا النصين خاصة نص هذا المشروع يشكل تهديدا لحصانة الدفاع ،لان النص مفتوحا بشكل واسع على المنهجية التأويلية التي يبدو أن غادامير قد أسس لها في مؤلفه الحقيقة والمنهج وقبله هيدغر في مؤلفه الوجود والزمان الذي يرى أن الامتلاك المسبق هو الفهم العام للشيء، والتي تفضي إلى التخلص من المنهج والاكتفاء بالأحكام المسبقة، غير أن رجل القانون الإيطالي” إميليو باتي” انتقد هذه النظرية أشد الانتقاد الذي يرى أن التأويلية المبني على الفهم المسبق ضار أكثر مما هو نافع للفهم الصحيح ،إذ لا يعتبر التأويل توسعا للفهم، فكلما كان النص يفيد العموم يفيد بالضرورة الغموض واللبس يعطي للجهة المؤولة حق ادعاء تملكها لمطلق الصواب.
– المادة 79 : بكل اختصار جاء في آخر أن ” غير أنه إذا لم يتخذ النقيب أي إجراء داخل الأجل المذكور، أمكن مواصلة إجراءات التنفيذ بحضور كاتب الضبط الذي يحرر محضرا بالإجراءات المتخذة لضمان مصالح الموكلين”.
إن تنصيص على اختيار حضور كاتب الضبط عملية الإفراغ، لتحرير المحضر هو اختيار غير سليم، لأن الذي يجب أن يقوم بهذه المهمة هو المفوض القضائي، الذي أسند إليه القانون المنظم للمفوضين القضائيين القيام بذلك ،وهو محايد ومستقل لا ينتمي لأي جهة اثناء قيامه بمهامه ،ويحتكم إلى القانون.
إن مشروع قانون 66/23 يسيء إلى سمعة البلاد ،ويضرب بل يعصف بمهنة المحاماة التي تعرف في الدول المتقدمة اهتماما واسعا لما تقدمه من خدمات جليلة ،للرقي بالعدالة إلى المقامات المتعالية، خدمة للوطن والإنسان وحق واستبيان الحقيقة التي حيرت الفلاسفة والمفكرين في الطموح للوصول إلى كمال العدالة ولن يكون ذلك إلا بالمحاماة قوية مستقلة محصنة من كل ضعف أو وهن قد يدب إلى جسمها ينخر أركانها الثابتة الصلبة.
