لم تكن ليلة الأربعاء بمدينة القصر الكبير مجرد تساقطات مطرية عابرة، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة لواقع بنيوي ظلّ يُدار لسنوات بمنطق الترقيع لا بمنطق التخطيط. فحين يغرق مستشفى القرب، وتتحول الأسواق التاريخية مثل “الغطايين” إلى برك من الأوحال والنفايات، وتنقطع الكهرباء عن أحياء كاملة، يصبح من الصعب اختزال ما حدث في غضب الطبيعة وحده، دون استحضار أعطاب التدبير وغياب الجاهزية.
ما عاشه سكان حي الأندلس وتجزئة الأمل لا يمكن اعتباره قدراً لا يُرد، بل نتيجة مباشرة لتوسع عمراني لم يُواكَب ببنية تحتية قادرة على استيعاب المخاطر الطبيعية.
فمدينة تجاور واد لوكوس، بتاريخِه المائي المعروف، كان من المفترض أن تتوفر على مخططات استباقية دقيقة، تأخذ بعين الاعتبار مسارات المياه ومخاطر الفيضانات، لا أن تترك ساكنتها تواجه السيول بقنوات تصريف محدودة أو مهملة.
مشاهد جرف المياه للأزبال ومخلّفات البناء، وتكدّسها في الشوارع والأزقة، أعادت إلى الواجهة سؤال الصيانة الدورية للبنية التحتية، ومدى نجاعة الاختيارات التقنية التي حكمت إنجاز شبكات وُضعت دون رؤية طويلة الأمد.
اختيارات جعلت المدينة في مواجهة مباشرة مع كل اضطراب مناخي، مهما كان متوقعاً، وعمّقت هشاشتها بدل تحصينها.
أما الوضع الذي شهده مستشفى القرب، والذي استدعى نقل المرضى والأطر الصحية تفادياً لأي مخاطر محتملة، فقد شكّل لحظة مقلقة على مستوى الإحساس بالأمن الصحي.
فالمؤسسات الاستشفائية تُفترض فيها الجاهزية القصوى خلال الأزمات، لا أن تتحول إلى نقاط ضعف تحتاج بدورها إلى تدخل استعجالي.
وهو ما يفتح نقاشاً مشروعاً حول شروط اختيار مواقع هذه المنشآت، وجودة الدراسات التقنية التي سبقت إنجازها، ومن يتحمّل مسؤولية ما ظهر من أعطاب.
ومع ارتفاع منسوب المياه بسد واد المخازن، تصاعد القلق في أوساط الساكنة من سيناريوهات أكثر تعقيداً، في ظل ذاكرة جماعية ما تزال تستحضر كلفة الفيضانات السابقة.
هنا، لا ينشغل المواطن بحجم التساقطات بقدر ما ينشغل بما بعد الأزمة: من يراجع دفاتر التحملات؟ ومن يقيّم الدراسات التقنية؟ وهل سيتم فتح نقاش جدي حول مسؤولية التدبير، أم سنكتفي مرة أخرى بلغة التبرير؟
لقد أبانت هذه الأحداث أن الاكتفاء بتصريف المياه بعد وقوع الأضرار لم يعد كافياً في زمن التقلبات المناخية الحادة.
القصر الكبير اليوم في حاجة إلى مراجعة شاملة لمقاربة تدبير المجال الحضري، تبدأ من إعادة تأهيل قنوات التصريف وصيانتها المنتظمة، وتمر عبر ضبط التوسع العمراني، وتنتهي بربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة، بما يعيد الثقة للمواطن ويحصّن المدينة من تكرار نفس المشاهد المؤلمة.
