بين لغة الأرقام الوردية التي يسوقها مصطفى بايتاس، وبين نبض الشارع المغربي المثقل بتحديات المعيش، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى “النمو الرقمي” إذا لم يترجم إلى رفاه اجتماعي ملموس.
لقد رسم الناطق الرسمي باسم الحكومة لوحة اقتصادية مثالية لعامي 2025 و2026، مستنداً إلى أرقام تتحدث عن 4.49 ملايين هكتار محروثة وقفزة في الاستثمار العمومي وصلت إلى 380 مليار درهم، لكن هذه اللوحة تظل تفتقر إلى “الظلال” التي تعكس الواقع الحقيقي.
إن الرهان الحكومي المستمر على التساقطات المطرية لإنقاذ الموسم الفلاحي يكشف عورة السياسات السابقة؛ فبعد عقود من المخططات المليارية، لا يزال مصير النمو الاقتصادي معلقاً بـ “غيمة”، مما يجعل الحديث عن السيادة الغذائية مجرد شعارات تصطدم بواقع استيراد القمح والقطاني بأسعار دولية كاوية.
كما أن التباهي بمضاعفة الاستثمار العمومي يطرح علامات استفهام كبرى حول مردودية هذه الأموال في خلق فرص الشغل، خاصة وأن أرقام البطالة لا تزال في مستويات قياسية، مما يوحي بأن هذه المليارات تضخ في “الحجر” والبنيات التحتية الكبرى أكثر مما تضخ في شرايين الاقتصاد المنتج للشغل المستدام.
أما بخصوص تقليص المديونية إلى 65% وخفض العجز الميزانياتي، فهو انتصار “تكنوقراطي” بامتياز يهدف إلى تلميع صورة المغرب أمام المؤسسات الدولية، لكنه غالباً ما يتم عبر سياسات تقشفية غير معلنة تضغط على جودة الخدمات العمومية وتكبح التوظيف.
وفي نفس السياق، تطل مغالطة “ارتفاع الاستهلاك بنسبة 4.4%” برأسها؛ فالحكومة تعتبر هذا الارتفاع دليلاً على تحسن مستوى المعيشة، بينما يراه المواطن نتيجة حتمية للتضخم واشتعال الأسعار، حيث أصبح الإنفاق الأكبر يعني شراء كميات أقل بأسعار أعلى، وليس رفاهية زائدة كما تصوره التقارير.
يقدم بايتاس خطاباً “تجميلياً” يرى المغرب من خلال جداول البيانات الصماء، متجاهلاً أن النجاح الحقيقي لا يقاس بمدى رضا صندوق النقد الدولي، بل بمدى قدرة تلك الـ 380 مليار درهم على خفض ثمن “قفة” المواطن البسيط وإخراج الشباب من نفق العطالة.
إنها الفجوة المستمرة بين اقتصاد “الواجهة” المنضبط، واقتصاد “الواقع” المنهك، وهو ما يضع صدقية هذه المؤشرات على المحك في القادم من الأيام.
