ليست المقبرة مجرد فضاء للدفن، بل هي المرآة التي تعكس مدى احترام الدولة لمواطنيها في محطتهم الأخيرة.
غير أن التقرير الأخير لـ المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، يبعث برسالة مقلقة مفادها أن كرامة المواطن المغربي قد تتعثر عند عتبة هذا المرفق العمومي الحساس.
نحن هنا لا نتحدث عن انطباعات أو قراءات ذاتية، بل عن معطيات رسمية دقيقة تضع الجماعات الترابية أمام مسؤولياتها المباشرة.
الواقع الذي رسمه التقرير يكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب المعلن وممارسات التدبير الميداني؛ فمن أصل آلاف المقابر على الصعيد الوطني، لا يتجاوز عدد المقابر النموذجية 109 فقط، أي بنسبة تقل عن 0.4 في المائة.
والأكثر دلالة أن 76 في المائة من هذه المقابر تتركز في ثلاث جهات بعينها (مراكش–آسفي، سوس–ماسة، والشرق)، ما يعني أن باقي جهات المملكة تعيش وضعاً بعيداً عن الحد الأدنى من معايير التنظيم والتجهيز.
وتبرز الاختلالات بشكل أوضح داخل المدن الكبرى التي يُفترض أن تشكل واجهات حضرية للمملكة ففي مدن مثل مراكش، بركان، طنجة، فاس، الرباط، سلا، والدار البيضاء، أشار التقرير إلى مظاهر ضغط حاد على المقابر، تُرجم أحياناً إلى اللجوء للدفن في الممرات أو بين القبور القديمة، أو إلى توجيه الساكنة نحو جماعات مجاورة، في غياب حلول استباقية مهيكلة.
هذا الوضع تؤكده الأرقام، إذ إن 919 مقبرة استنفدت طاقتها الاستيعابية، بينما لم تُستصدر قرارات الإغلاق سوى في حق 201 مقبرة، في حين توقفت أو استمرت عمليات الدفن في باقي المقابر دون تأطير تنظيمي واضح.
ويتعزز هذا الاختلال مع ضعف تنفيذ المشاريع المبرمجة؛ فمعدل إنجاز مشاريع إحداث المقابر المدرجة في وثائق التعمير لم يتجاوز 5 في المائة، مقابل 9 في المائة فقط لمشاريع التوسعة.
هذا التعثر في الإنجاز يقابله تدهور في وضعية المقابر القائمة، حيث لا تتجاوز نسبة المرافق الموجودة في حالة جيدة، سواء تعلق الأمر بالأبواب أو الأسوار أو المرافق الصحية، مستويات محدودة، ما يؤثر مباشرة على أداء هذا المرفق العمومي ووظيفته الأساسية.
أما على مستوى الحكامة، فيكشف التقرير عن واقع تدبيري غير متوازن؛ إذ لا تشرف الجماعات الترابية إلا على حوالي 12.25 في المائة من مجموع المقابر، في حين يُعهد بتدبير الغالبية الساحقة منها إلى الجماعات السلالية أو ساكنة الدواوير، في غياب إطار موحد يضمن شروط التتبع والتنظيم.
ويزيد من تعقيد هذا الوضع الغياب شبه التام لسجلات دقيقة للدفن، ما يصعّب عملية تحديد مواقع القبور أو تتبع الجثامين، ويفقد هذا المرفق جزءاً من وظيفته التنظيمية.
ومن الزوايا المثيرة للقلق أيضاً، ما يتعلق بمعاينة الوفيات؛ إذ يعتمد عدد كبير من الجماعات على الشهادات الإدارية المسلمة من طرف ممثلي السلطة المحلية، مقابل نسبة محدودة فقط تلجأ إلى المعاينة وفق المساطر الطبية المعتمدة، وهو معطى يطرح تساؤلات جدية حول السلامة الصحية ودقة مسارات التحقق.
ما كشفه تقرير “القضاء المالي” لا يمكن اختزاله في أعطاب تقنية معزولة، بل يعكس تراجعاً في إدراج البعد الإنساني ضمن أولويات التدبير المحلي.
فصيانة كرامة الميت ليست مسألة ثانوية، بل واجب أخلاقي ومؤسساتي لصيق بوظيفة المرفق العمومي.
وحين تعجز الجماعات عن تأمين آخر محطة للمواطن في شروط تحفظ الاحترام والانتظام، يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى الخطابات الكبرى حول التنمية والمدينة الذكية، في ظل اختلالات تمس أبسط أشكال الكرامة الإنسانية.
