لم يعد النقاش المرتبط بتمويل الأحزاب السياسية في المغرب مسألة تقنية محصورة في دفاتر المحاسبة وتقارير الافتحاص، بل أصبح اختباراً عارياً لمدى قدرة الدولة على كسر منطق “الاستثناء” وترجمة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى واقع ملموس.
فنحن أمام مفارقة تطرح تساؤلاً أخلاقياً وقانونياً عميقاً: كيف لهيئات سياسية تطمح إلى تدبير شؤون شعب وميزانية وطن، أن تعجز، أو تتماطل، عن تبرير صرف مبالغ من مال دافعي الضرائب؟
إن المعطيات التي كشفت عنها زينب العدوي، الرئيسة الأولى لـ المجلس الأعلى للحسابات، أمام البرلمان، لا يمكن التقليل من دلالتها؛ إذ لا تزال بذمة 14 حزباً سياسياً مبالغ تناهز 21.85 مليون درهم من الدعم العمومي لم يتم تبرير صرفها أو إثباتها بوثائق قانونية.
ورغم أن 24 حزباً قاموا بإرجاع ما مجموعه نحو 36 مليون درهم إلى حدود متم يناير 2026، فإن استمرار عدم تسوية وضعية الأحزاب المتبقية يطرح سؤالاً جوهرياً حول هيبة القانون أمام نفوذ الفاعل السياسي، ويحوّل الإشكال من مجرد مسألة رقابة إلى إشكالية تتعلق بمدى نجاعة آليات الإلزام.
وتزداد حدة هذا التساؤل في ظل حصول المغرب على تصنيف كامل (7/7) في مؤشر مراقبة تمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية المعتمد لدى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إلى جانب دول مثل كندا والنرويج.
غير أن هذا التقييم، على أهميته، يسلط الضوء على مفارقة واضحة بين تطور آليات الرصد والافتحاص من جهة، وضعف تفعيل الجزاءات القانونية من جهة أخرى.
فما جدوى امتلاك منظومة دقيقة لرصد الاختلالات إذا ظلت مرحلة التنفيذ واسترجاع المال العام متعثرة؟
فالمال العمومي لا يمكن اعتباره هبة أو التزاماً أخلاقياً قابلاً للتأجيل، بل هو مسؤولية قانونية ومحاسباتية واضحة.
واستمرار أحزاب مدينة للمال العام في ممارسة نشاطها السياسي بشكل عادي، بل والاستعداد للمشاركة في استحقاقات انتخابية حاسمة، يفرز وضعاً ملتبساً يضعف خطاب النزاهة من أساسه.
فكيف يمكن إقناع المواطن بضرورة الامتثال للقانون وأداء الضرائب، في حين لا تُسوّى وضعيات مالية غير قانونية داخل النسق السياسي نفسه؟ إن السماح بالمشاركة الانتخابية أو بالاستفادة من دعم جديد قبل تسوية هذه الوضعيات قد يُفهم منه تساهل مؤسساتي يفرغ مبدأ المحاسبة من مضمونه.
إن بناء الثقة في العملية الديمقراطية لا يتحقق عبر التقارير أو التصنيفات الدولية وحدها، بل من خلال وضوح القواعد وتساوي الجميع أمامها، وربط الحقوق السياسية، بما فيها الترشح والاستفادة من الدعم العمومي، بالالتزام الصارم بالقانون.
فاستمرار تسجيل الاختلالات نفسها في تقارير متتالية دون أثر قانوني ملموس لا يسيء فقط إلى صورة الأحزاب، بل ينعكس سلباً على مصداقية المسار الديمقراطي برمته، ويجعل من شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة سؤالاً مفتوحاً في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى أقصى درجات الصرامة لحماية المال العام وصون ثقة المواطنين.
