كشفت المندوبية السامية للتخطيط، في مذكرتها الإخبارية حول وضعية سوق الشغل سنة 2025، عن معطيات رقمية تحمل في ظاهرها مؤشرات إيجابية، لكنها تخفي في طياتها اختلالات بنيوية عميقة تلازم الاقتصاد الوطني.
فرغم تسجيل تراجع طفيف في معدل البطالة العام ليبلغ 13%، مسجلاً انخفاضاً بـ0.3 نقطة مقارنة بالسنة الماضية، ومع إحداث 193 ألف منصب شغل جديد، إلا أن القراءة المتأنية لهذه الأرقام تعكس واقعاً أكثر تعقيداً يتجاوز مجرد التحسن التقني المحدود. هذا التراجع الذي شمل نحو 17 ألف عاطل، لم يكن متوازناً من الناحية الاجتماعية أو المجالية، حيث ارتفعت البطالة في صفوف النساء لتصل إلى 20.5%، بينما استقرت بطالة الشباب ما بين 15 و24 سنة عند مستويات مقلقة تتجاوز 37%، مما يوحي بأن سوق الشغل لا يعالج الأزمات الهيكلية بقدر ما يعيد توزيع العطالة داخل الفئات الأكثر هشاشة.
ويتجلى الشرخ المجالي بوضوح عند النظر في التوزيع الجغرافي للمناصب المحدثة، إذ تركزت معظمها في الوسط الحضري بإحداث 203 آلاف منصب، مقابل فقدان 10 آلاف منصب في الوسط القروي.
هذا المعطى لا يعكس فقط استمرار الخلل في توزيع فرص الشغل، بل يطرح تساؤلات حارقة حول مستقبل التشغيل في الأرياف، خاصة في ظل تقلبات مناخية قاسية وضغوط متزايدة على الأنشطة الفلاحية التي كانت تشكل صمام أمان تاريخي للمشتغلين.
وعلى الرغم من أن المذكرة سجلت تطوراً إيجابياً من حيث الشكل يتمثل في ارتفاع الشغل المؤدى عنه مقابل تراجع الشغل غير المؤدى عنه، إلا أن هذا التحول يصطدم بواقع “الشغل الناقص” الذي ارتفع إلى 10.9%. ويعني ذلك أن شريحة واسعة من المشتغلين تعيش وضعية هشاشة حقيقية، سواء بسبب قلة ساعات العمل، أو ضعف الدخل، أو عدم ملاءمة الشغل مع المؤهلات والتكوين، مما يجعلهم في حالة وسطى بين الشغل والبطالة.
الأكثر إثارة للقلق في معطيات سنة 2025 هو تجذر البطالة طويلة الأمد، حيث تجاوزت نسبة العاطلين الذين لم يسبق لهم العمل نصف مجموع العاطلين، فيما بلغت نسبة الذين يعانون من البطالة لمدة سنة أو أكثر حوالي ثلثي العاطلين، مع متوسط مدة انتظار يصل إلى 33 شهراً.
هذه المؤشرات تعكس صعوبة اندماج الفئات الواعدة في الدورة الاقتصادية، وتحديداً حاملي الشهادات والشباب، مما يضع نجاعة السياسات العمومية المعتمدة تحت المجهر.
ورغم التراجع النسبي في معدل بطالة حاملي الشهادات، إلا أن الأرقام تظل مرتفعة بشكل لافت في صفوف التقنيين والأطر المتوسطة، ما يعيد إشكالية ملاءمة التكوين مع حاجيات السوق إلى الواجهة، ويسلط الضوء على حدود قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الكفاءات.
وفي المحصلة، يظل التراجع الطفيف في معدل البطالة مؤشراً “رقمياً” يحتاج إلى تدقيق في المضمون، إذ تكشف الأرقام أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بالعدد الإجمالي لمناصب الشغل، بل بجودتها، واستدامتها، وعدالة توزيعها بما يضمن الكرامة الاقتصادية والاجتماعية لكافة فئات المجتمع.
