شهدت الجلسة العمومية المشتركة لمجلسي النواب والمستشارين، المنعقدة يوم الثلاثاء 3 فبراير 2026، تقديم زينب العدوي، رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، عرضاً حول أعمال المحاكم المالية، في سياق يتسم بتزايد الاهتمام العمومي بمخرجات الرقابة على تدبير المال العام.
ويأتي هذا العرض في إطار دستوري ومؤسساتي يروم توضيح اختصاصات المحاكم المالية وحدود تدخلها، حيث شددت رئيسة المجلس على ضرورة تفادي القراءات غير الدقيقة أو غير المتلائمة مع الطبيعة القانونية لتقارير المجلس والمجالس الجهوية للحسابات، معتبرة أن هذه التقارير تندرج ضمن آليات تقويم التدبير العمومي، ولا تشكل في حد ذاتها أحكاماً جزائية أو اتهامات شخصية.
وقد ركزت العدوي في عرضها على التمييز بين مفهومي الخطأ التدبيري والفعل الذي يكتسي صبغة جنائية، موضحة أن التأديب المالي لا يعني بالضرورة المساس بنزاهة المعنيين، بل قد يرتبط بعدم احترام بعض القواعد أو المساطر التنظيمية، أو بضعف التقدير في تدبير بعض الملفات، دون توفر عناصر القصد الجنائي.
ويهدف هذا التوضيح إلى إبراز الطابع القانوني الدقيق لاختصاصات المحاكم المالية، التي تشتغل وفق مساطر مضبوطة، تقوم على احترام قرينة البراءة، واعتماد المسطرة التواجهية، واتخاذ القرارات بصفة جماعية.
كما أوضحت رئيسة المجلس أن لجوء المحاكم المالية إلى مساطر التأديب أو الإحالة على الجهات المختصة يتم بعد استنفاد الآليات الوقائية والبيداغوجية المخولة لها قانوناً، وذلك في إطار مقاربة تروم تصحيح الاختلالات وتحسين جودة التدبير العمومي، مع مراعاة التدرج في ترتيب المسؤوليات بحسب طبيعة الأفعال والقرائن المتوفرة.
غير أن هذا التأطير القانوني، على أهميته، يثير نقاشاً مشروعاً حول مدى نجاعة الأثر العملي لتقارير المحاكم المالية، خاصة في ظل تكرار بعض الملاحظات المسجلة في تقارير متتالية.
فالتحدي المطروح لا يتعلق فقط بضبط المفاهيم القانونية، بل أيضاً بمدى ترجمة توصيات المجلس إلى إجراءات إصلاحية ملموسة تعزز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا الإطار، يظل النقاش العمومي مدعواً إلى التمييز بين متطلبات الضمانات القانونية الواجبة للأشخاص، وبين الحاجة إلى تطوير السياسات العمومية على أساس خلاصات الرقابة المالية، بما يضمن حماية المال العام وتحقيق الأثر الإصلاحي المنشود، دون إخلال بالتوازن الدستوري بين التقويم والمساءلة.
