لم يعد من الممكن اليوم تجاهل تلك الموجة العارمة التي تجتاح منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحول اسم مصطفى التراب، المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط، إلى مادة دسمة لنقاشات تتجاوز حدود المألوف.
إن بروز اسم “الرجل القوي” في التقارير الدولية المرتبطة بما عُرف بـ”دفتر عناوين” جيفري إبستين لم يكن مجرد خبر عابر، بل كان الشرارة التي أعادت إشعال فتيل تساؤلات مؤجلة حول طبيعة النخب التي تدير مفاصل الثروة السيادية للمغاربة.
هذا الجدل الرقمي المحتدم يعكس وعياً جديداً يرفض الركون إلى التبريرات الجاهزة، ويضع “الهالة” الأكاديمية والمهنية التي أحيط بها التراب لسنوات أمام اختبار النقاش العمومي، بعيداً عن حصانة المكاتب المكيفة والتقارير السنوية اللامعة.
إن ما يتم تداوله اليوم في الفضاء الأزرق وبقية المنصات الرقمية يذهب مباشرة إلى جوهر الإشكالية: كيف يمكن لشخص واحد أن يظل على رأس أكبر مؤسسة اقتصادية في البلاد لعقود من الزمن دون أن تطاله رياح التغيير أو آليات التقييم المؤسساتي؟ نحن هنا لا نزكي مصطفى التراب، ولا نصدر أحكاماً جاهزة بشأن سنوات تركّز القرار في مؤسسة تكتسي طابعاً استراتيجياً وحيوياً.
فالرأي العام الذي يتابع اليوم تفاصيل التقاطعات الدولية المثيرة للتساؤل، لا ينظر إليها كحوادث معزولة، بل يراها نتيجة طبيعية لنموذج تدبيري يقدّس “التكنوقراط” ويمنحهم هامش صلاحيات واسعاً، مما يجعلهم يتحركون في مدارات نخبوية عالمية (بين بوسطن ونيويورك ودافوس) قد تتقاطع فيها المسارات مع شخصيات أو شبكات نفوذ مثيرة للجدل مثل إبستين.
الجرأة في هذا الطرح الشعبي تكمن في كسر “قدسية المنصب”؛ فبينما يُسوّق للتراب كمهندس لنجاحات اقتصادية دولية، يتساءل المواطن البسيط بمرارة عن “أثر هذه الثروة” في واقعه المعيش.
لماذا تظل عائدات الفوسفاط وهي ثروة وطنية ملك للشعب بعيدة عن النقاش العمومي الواسع؟ ولماذا لا تنعكس تلك الأرباح المليارية بشكل أوضح على تنمية المناطق المنجمية التي تُستنزف أرضها يومياً؟ إن بقاء التراب في منصبه كـ”ثابت إداري” وسط متغيرات سياسية وحكومية متلاحقة يكرس لدى فئات من الرأي العام انطباعاً بوجود “مؤسسة شديدة الانغلاق”، حيث تُدار الثروة أحياناً بمنطق الدوائر المحدودة التي لا تعترف بالحدود الأخلاقية بقدر ما تعترف بموازين القوى والمصالح المعولمة.
علاوة على ذلك، فإن الركون إلى منطق “الرجل الضروري” أو “المنقذ” الذي لا بديل له هو تصور بات محل نقاش واسع في الوعي الرقمي المعاصر.
فالثروة الوطنية لا يجب أن تظل رهينة في يد “نخبة تكنوقراطية” ترى في نفسها أنها محصنة من النقد لمجرد امتلاكها مسارات أكاديمية مرموقة أو علاقات في مراكز الفكر الدولية.
إن ظهور اسم التراب في سياق ملفات دولية مثيرة للجدل، حتى في ظل غياب توضيحات رسمية كافية، يضع صورة “التسيير المتميز” تحت مجهر النقاش ويعيد طرح سؤال المسافة بين النخب ومطالب الشفافية الشعبية، خاصة حين تعيش بعض النخب في عزلة نسبية عن المساءلة المجتمعية.
إن الرسالة التي يبعث بها الجمهور اليوم من خلال منصات التواصل الاجتماعي هي رسالة صريحة ومباشرة: لقد انتهى زمن التفويض المطلق والصمت المطبق.
لا يمكن الدفاع عن سيادة الثروة الوطنية بمجرد تصدير الأسمدة، بل بحماية هذه الثروة من “الاحتكار الإداري” ومن شبكات العلاقات الدولية غير الواضحة.
المحاسبة ليست خياراً، بل هي ركن أساسي في دولة المؤسسات، وبقاء أي مسؤول مهما علا شأنه خارج دائرة التغيير يثير نقاشاً مشروعاً.
لقد آن الأوان لفتح ملفات الحكامة داخل “OCP” وتعزيز منسوب الشفافية، والاعتراف بأن لا أحد فوق النقد، وأن المصداقية الحقيقية لا تأتي من دفاتر العناوين الدولية، بل من وضوح الرؤية أمام المواطن ونزاهة التدبير في أمانة الأجيال.
