في كلمته الختامية للدورة التشريعية الخريفية، المنعقدة أمس الثلاثاء، قدّم رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي حصيلة وصفها بالإيجابية، مؤكداً أن المؤسسة التشريعية حرصت على جعل قضايا المواطنين الاجتماعية والاقتصادية والتنموية في صلب عملها الرقابي والتشريعي.
غير أن هذا الخطاب، بما يحمله من لغة إنجاز واستمرارية مؤسساتية، يظل محكوماً باختبار عملي لا تقيسه البيانات الرسمية ولا الأرقام البرلمانية، بل يفرضه الواقع الميداني حين تتحول السياسات العمومية إلى مسألة حماية فعلية للمواطن في لحظات الطوارئ.
فبينما كانت أضواء مجلس النواب في الرباط تُسلَّط على منصة الخطابة لإعلان “حصيلة إيجابية”، كانت الكشافات اليدوية في ضواحي القصر الكبير تحاول استكشاف منسوب مياه وادي المخازن، الذي يهدد بامتداد الأضرار إلى أحياء سكنية هشة. هذا التباين المشهدي لا يبدو مجرد مصادفة زمنية، بل يعكس فجوة عميقة بين ما يمكن تسميته بـ“المغرب المؤسساتي” و“المغرب الواقعي”.
وقد استند الخطاب البرلماني إلى لغة الأرقام، متحدثاً عن زخم تشريعي ودور رقابي وُصف بالمتميز.
غير أن هذه الأرقام، من منظور المواطن الذي أُجلي من منزله كإجراء احترازي خوفاً من الفيضانات، تظل بلا معنى ملموس إذا لم تتحول إلى إجراءات تحميه فعلياً من فقدان الأمن والاستقرار. فما جدوى سنّ قوانين لتدبير المخاطر، إذا كان الإجراء الوقائي الأبرز هو إخلاء السكان من بيوتهم، دون أن تصاحبه رؤية واضحة للإيواء أو بدائل تحفظ كرامتهم؟
إن تقييم العمل البرلماني لا يُختزل في عدد النصوص القانونية المصادق عليها، بل في قدرة هذه النصوص على الصمود عند أول اختبار ميداني.
فالأزمات الطبيعية لا تمتحن فقط جاهزية البنيات التحتية، بل تكشف أيضاً حدود التنزيل الفعلي للسياسات العمومية، ومدى انسجامها مع واقع الهشاشة الاجتماعية.
وتتجلى المفارقة بشكل أوضح عند استحضار صندوق مكافحة الآثار الناجمة عن الكوارث الطبيعية.
فهذا الصندوق، الذي يُموَّل من اقتطاعات تضامنية يتحملها المواطنون عبر عقود التأمين، كان يفترض أن يشكل آلية تدخل سريعة في مثل هذه الحالات.
غير أن غيابه العملي في نازلة القصر الكبير يثير تساؤلات مشروعة حول شروط تفعيله، وتعقيد مساطر صرف موارده، ومدى ملاءمتها لطبيعة الحالات الاستعجالية التي أُنشئ من أجلها.
كما أن غياب تواصل حكومي واضح بشأن مرحلة ما بعد الإجلاء يزيد من منسوب القلق، ويفتح باب التساؤل حول مصير أموال التضامن عندما لا تُفعّل في اللحظات التي تضيق فيها السبل أمام المتضررين.
فحين لا يجد المواطن أثراً لهذه الصناديق في أوقات الحاجة، تصبح الأرقام المسجلة في التقارير المالية بعيدة عن الواقع الاجتماعي الذي وُجدت لخدمته.
وما حدث في القصر الكبير يشكل، في هذا السياق، اختباراً حقيقياً لخطاب الحكامة والشفافية. فالحكامة لا تُقاس فقط بجودة التقارير أو انتظام المساطر، بل بسرعة الاستجابة وقدرتها على حماية المواطن من الوقوع في الهشاشة.
كما أن الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية لا يتوقف عند طرح الأسئلة، بل يمتد إلى مساءلة فجوة التنفيذ التي تجعل النصوص القانونية منفصلة عن واقع حياة الناس.
فالمواطن الذي يلتزم بواجباته الجبائية والتضامنية ينتظر، في المقابل، حقاً أساسياً في الحماية، لا مجرد بلاغات إدارية بالإخلاء تتركه أمام مستقبل غامض.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق الاحتفاء بالحصائل الورقية إلى منطق تقييم الأثر الفعلي للسياسات العمومية.
إن بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات لا يتحقق بالخطب ولا بالشعارات، بل بمدى حضور الدولة في لحظات الضعف الإنساني؛ فإما أن تكون المؤسسات صوتاً لمن يواجهون الخطر في الميدان، أو أن يظل دورها محصوراً في ترديد خطاب رسمي لا يجد صداه عند أول أزمة حقيقية.
