أعاد النقاش الذي أثاره محمد أوزين، صباح يوم الثلاثاء 28 يناير 2025، تحت قبة البرلمان، تسليط الضوء على إشكال مؤسساتي دقيق ظل لسنوات خارج دائرة الجدل العلني، يتعلق بحدود الرقابة البرلمانية وطبيعة العلاقة بين السلطة التشريعية والمؤسسات الدستورية المستقلة.
فقد تحولت جلسة مشتركة خُصصت لتقديم عرض حول تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى لحظة سياسية كاشفة، تجاوزت طابعها الإجرائي لتفتح نقاشاً عميقاً حول معنى “المناقشة” كما وردت في الفصل 148 من الدستور.
تدخل أوزين، الذي جاء قبيل عرض الرئيسة الأولى للمجلس زينب العدوي، لم ينصب على توقيت تقديم التقرير أو تأجيل مناقشته فحسب، بل استهدف سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للبرلمان أن يمارس رقابته الدستورية بشكل كامل إذا انحصرت المناقشة في الحكومة وباقي الجهات الواردة في التقارير، دون تمكين النواب من محاورة الجهة التي أعدت تلك التقارير حول منهجية العمل ودقة المعطيات وصناعة الخلاصات؟
في هذا السياق، شدد أوزين على أن استحضار الفصل 148 لا ينبغي أن يتم بمنطق تأويلي ضيق، يحصر “المناقشة” في تبادل سياسي مع السلطة التنفيذية، بل في إطار فلسفة دستورية أوسع، تجعل من البرلمان فضاءً لمساءلة السياسات العمومية وأدوات تقييمها في الآن ذاته.
فالتقارير المحاسباتية، وإن كانت ذات طابع تقني وقضائي، باتت تكتسي أثراً سياسياً وإعلامياً واسعاً، وتؤثر بشكل مباشر في صورة المؤسسات والفاعلين العموميين.
ومن هذا المنطلق، يطرح أوزين إشكالية توازن السلط بصيغة غير تصادمية، مفادها أن استقلالية المجلس الأعلى للحسابات، باعتبارها ضمانة دستورية أساسية، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها قطيعة مع النقاش البرلماني، ولا مانعاً أمام مساءلة منهجية التقييم، خاصة حين يتعلق الأمر بمعطيات رقمية وخلاصات تُستعمل في النقاش العمومي وتوجيه الرأي العام.
غير أن هذا النقاش، رغم مشروعيته، يظل محفوفاً بتحديات حقيقية.
فالمطالبة بتعميق النقاش مع معدّي التقارير تثير تخوفات من إمكانية انزلاقها نحو تسييس العمل الرقابي أو تحويل النقاش من محاسبة المسؤولين عن تدبير المال العام إلى جدل تقني حول شكل التقارير ومقارباتها.
وهو ما يفرض، بحسب عدد من المتابعين، ضبط هذا التفاعل داخل حدود واضحة، تحمي استقلالية القضاء المالي من جهة، وتمنح البرلمان حقه في الفهم والمساءلة من جهة أخرى.
ما جرى داخل البرلمان لا يمكن اعتباره مجرد سجال عابر، بل يعكس مرحلة جديدة في تطور الممارسة الدستورية، عنوانها البحث عن توازن أدق بين الشرعية الشعبية التي يمثلها البرلمان، والشرعية التقنية والقضائية التي تستند إليها المؤسسات الرقابية. نقاش لن يُحسم سريعاً، لكنه يضع، لأول مرة بهذا الوضوح، سؤال المنهج والشفافية في صلب العلاقة بين البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات.
