هل كرامة المواطن في القصر الكبير أقل أولوية من ميزانية صناديق الكوارث؟ سؤال يفرض نفسه بإلحاح، بينما يواصل نهر اللكوس غزو البيوت وتهديد الأحياء، ويجبر المئات على إخلاء منازلهم في نزوح اضطراري.
ورغم خطورة الوضع، ترفض الحكومة إعلان المدينة “منكوبة”، في سياق حساس ترتبط فيه الكارثة بكلفة تعويضات مرتفعة.
وفي ظل هذا التأخر، يتعزز شعور الساكنة بأن الاعتراف الرسمي بالوضع الاستثنائي لا يزال مؤجلاً، رغم أن الخطر يفرض نفسه على الأرض دون انتظار.
تعيش القصر الكبير اليوم على وقع تهديد مائي متواصل لم يعد يُحتمل تأجيل التعامل معه.
منازل مهددة، أسر مشتتة، وقلق جماعي يتضاعف مع كل ارتفاع جديد في منسوب المياه.
ورغم جسامة الوضع، يظل الصمت الرسمي سيد الموقف، في وقت بات فيه توصيف “المدينة المنكوبة” ضرورة قانونية أكثر منه خياراً إدارياً قابلاً للتأجيل.
إن الامتناع عن إعلان “النكبة” لا يمكن اختزاله في إجراء تقني أو في تقدير إداري عابر، بل يفتح علامة استفهام كبرى حول منطق تدبير الأزمات، وحول الحدود الفاصلة بين الحذر المالي والواجب الدستوري في حماية المواطنين.
فإعلان الكارثة ليس مجرد توصيف لغوي، بل مدخل قانوني لتعبئة آليات استعجالية، ورسالة سياسية تعترف بحجم الخطر وبحق الساكنة في حماية استثنائية توازي خطورة الوضع.
وبموجب الإطار القانوني المنظم لتغطية عواقب الوقائع الكارثية، فإن الاعتراف الرسمي بالكارثة يفرض تفعيل آليات الدعم المرتبطة بصناديق التضامن، خاصة لفائدة المواطنين غير المتوفرين على عقود تأمين.
غير أن تأجيل هذا الاعتراف يترك الساكنة في مواجهة مباشرة مع تهديد مستمر، ويحوّل الأزمة إلى حالة طوارئ غير معلنة، تُدار بمنطق الترقب بدل منطق الاستباق، في وقت تفرض فيه الوقائع الميدانية قرارات واضحة وحاسمة.
في هذا السياق، يطفو إلى السطح سؤال الشفافية باعتباره جوهر الإشكال: أين تقف صناديق الكوارث حين تتحول المخاطر من سيناريوهات محتملة إلى واقع يومي؟ فهذه الصناديق تُموَّل من المال العام ومن مساهمات تضامنية متواصلة، ومع ذلك لا تتوفر للرأي العام معطيات دقيقة حول حجم الموارد المتراكمة، ولا حول معايير التدخل، ولا حول آجال التفعيل. فالمواطن الذي يرى “الرسم التضامني” مقتطعاً من وصل تأمين سيارته أو بيته كل سنة، له الحق الكامل في أن يعرف لماذا يظل هذا الصندوق موصداً في وجهه حين تفيض عليه مياه اللكوس.
وهو غموض يزداد ثقلاً حين يُقابَل بصمت رسمي في لحظة تحتاج إلى وضوح وطمأنة.
ويزداد هذا الإحساس بالارتباك حين تُستحضر المشاريع الوقائية التي رُصدت لها اعتمادات مهمة خلال السنوات الماضية، من قنوات تصريف ومنشآت للحماية من الفيضانات، كان يُفترض أن تحصّن المدينة من مثل هذه السيناريوهات.
غير أن ما كشفت عنه التطورات الأخيرة يطرح أسئلة مشروعة حول مدى جاهزية هذه البنيات، وحول ما إذا كانت اختيارات التخطيط قد راعت فعلاً الخصوصيات الجغرافية والتاريخ الفيضي لنهر اللكوس.
إن ما تعيشه القصر الكبير اليوم لا يمكن اختزاله في “حادث طبيعي معزول”، بل يعكس خللاً أعمق في مقاربة تدبير المخاطر، حيث يبدو أن منطق الانتظار والتأجيل يطغى على منطق الوقاية والتدخل المبكر. فالمواطن الذي يُجبر على مغادرة بيته تحت ضغط الخوف لا يحتاج إلى لغة مطمئنة بقدر ما يحتاج إلى قرارات تحميه قبل وقوع الأسوأ، وتؤكد له أن سلامته وكرامته تظلان أولوية فعلية لا شعاراً ظرفياً.
لقد آن الأوان لفتح نقاش عمومي صريح حول صناديق الكوارث: كيف تُدبَّر؟ ومتى تُفعَّل؟ وعلى أي أساس؟ كما أن استمرار تأجيل إعلان القصر الكبير “مدينة منكوبة”، رغم المعطيات الميدانية والخطر القائم، يظل قراراً قابلاً للنقاش والمساءلة السياسية والمؤسساتية.
فالكلفة الحقيقية لا تكمن في تفعيل آليات الدعم، بل في فقدان الثقة حين يشعر المواطن أن الاعتراف بالكارثة يتأخر أكثر من اللازم.
والقصر الكبير اليوم لا تطالب بامتياز، بل بحماية مشروعة في مواجهة خطر لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
