يخوض المشهد السياسي والإعلامي المغربي، خلال الآونة الأخيرة، نقاشاً محتدماً حول ما بات يُوصف بـ“التوجه التدبيري” لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، حيث لم يعد الجدل محصوراً في تقييم نجاعة السياسات العمومية، بل اتسع ليشمل أسئلة مرتبطة بالحكامة وترتيب الأولويات.
وفي قلب هذا النقاش، يجد المهدي بنسعيد نفسه محط انتقادات متزايدة، بعد أن كشفت مصادر إعلامية متطابقة عن معطيات تخص اتفاقيات ومشاريع مرتبطة بصناعة الألعاب الإلكترونية (Gaming)، أثارت نقاشاً واسعاً داخل البرلمان وفي كواليس عدد من المجالس الجماعية الكبرى، من بينها الرباط والدار البيضاء.
وقد تزامن هذا النقاش مع تقارير إعلامية وجلسات برلمانية أواخر سنة 2025، ثم مع دورات فبراير 2026، حيث أثيرت تساؤلات سياسية وإعلامية حول خلفيات هذه المشاريع وسياقها الزمني.
وتداول متابعون للشأن العام معطيات تفيد بأن تعديل مرسوم تنظيمي، تم في أبريل 2025، أضاف إلى اختصاصات الوزارة مهمة إعداد مخططات تطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، وهي خطوة رأى فيها منتقدون توسيعاً للاختصاصات في اتجاه قطاع بعينه، تزامن مع إطلاق مشاريع استثمارية مهمة في المجال الرقمي.
وبحسب المعطيات المتداولة، فقد رافق هذا التوجه إطلاق مشاريع تكنولوجية بميزانيات كبيرة، من بينها مشروع “قطب يعقوب المنصور” بالرباط، الذي قُدّر غلافه المالي بحوالي 160 مليون درهم.
هذا المعطى فتح نقاشاً حول منطق توزيع الاستثمارات العمومية والعدالة المجالية، خاصة مع تركّز عدد من هذه المشاريع في مجالات ترابية محددة، ما دفع فاعلين سياسيين إلى التساؤل عن مدى انسجام هذه الاختيارات مع أولويات التنمية الوطنية.
وفي مدينة الدار البيضاء، انتقل الجدل من النقاش النظري إلى داخل قاعة المجلس الجماعي، حيث كشفت المصادر نفسها عن مشروع اتفاقية شراكة لإحداث فضاء مخصص للألعاب الإلكترونية بتمويل مشترك يناهز عشرات الملايين من الدراهم.
غير أن ما أثار الانتباه، وفق ما تم تداوله، هو غياب الجامعة الملكية المغربية للألعاب الإلكترونية عن مسار إعداد هذه الاتفاقية، رغم اعتبارها الإطار المؤسساتي المكلف قانونياً بتأطير هذا المجال.
هذا الغياب عزز تساؤلات داخل المجلس حول طريقة إعداد المشروع ومسارات اتخاذ القرار، ودفع بعض المستشارين إلى المطالبة بمزيد من التوضيح بشأن جدواه الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في مدينة تواجه خصاصاً واضحاً في البنيات الثقافية ومرافق القرب الموجهة للشباب.
وفي مقابل هذا الزخم المصاحب لمشاريع الألعاب الإلكترونية، تشير مصادر مهنية إلى وضعية مقلقة يعيشها قطاع الإعلام والتواصل، حيث تتحدث الأوساط الصحفية عن تراجع ملموس في دعم المقاولات الإعلامية الصغرى والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للتعددية الإعلامية.
ويرى متابعون أن التركيز على المشاريع الرقمية الكبرى لم يواكبه، إلى حدود الساعة، نفس الاهتمام بإيجاد حلول عملية لأزمة الإشهار، أو لإعادة هيكلة الاقتصاد الإعلامي بما يضمن الاستدامة والاستقلالية للمنابر الصحفية.
هذا التفاوت في سلم الأولويات أعاد إلى الواجهة سؤال انسجام السياسات العمومية مع الواقع الاجتماعي، خاصة في ظل ارتفاع نسب بطالة الشباب وتزايد موجات الهجرة غير النظامية.
فبالنسبة لعدد من المنتقدين، لا يكمن الإشكال في الاستثمار في الصناعات الرقمية في حد ذاته، بل في غياب التوازن بين هذا الخيار وبين معالجة الملفات الثقافية والإعلامية والاجتماعية ذات الطابع البنيوي.
وفي خضم هذا النقاش، تتعالى الدعوات إلى إخضاع هذه المشاريع لتقييم مؤسساتي شفاف، يوضح منطق اختيارها، وحجم أثرها الاجتماعي والاقتصادي، ومدى احترامها لقواعد الحكامة الجيدة في تدبير المال العام.
فوزارة الشباب والثقافة والتواصل، بحسب هؤلاء، مطالبة بتقديم رؤية متكاملة تضمن عدم تحوّل الرهانات الرقمية إلى بديل عن معالجة الاختلالات العميقة التي يعاني منها قطاعا الثقافة والإعلام، واللذان يشكلان، في نظر كثيرين، أحد ركائز التوازن المجتمعي والديمقراطي في البلاد.
