لم تكن التساقطات المطرية بإقليم العرائش مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل شكّلت اختباراً عملياً لقدرة البنية التحتية الطرقية على الصمود أمام الإكراهات الطبيعية المتزايدة.
ففي هذا السياق، انهارت الطريق الإقليمية رقم 4704، الرابطة بين العرائش ومنطقة مولاي عبد السلام، في وقت وجيز، ما يثير أكثر من علامة استفهام حول شروط إنجازها ومدى جاهزيتها لمواجهة المخاطر المناخية.
الانهيار لهذا المحور الطرقي، الذي لم يمض على افتتاحه سوى أشهر قليلة، يطرح تساؤلات جدية تتجاوز منطق “الظروف الاستثنائية”، نحو ضرورة فحص المعايير التقنية والهندسية التي أُنجز على أساسها المشروع.
فأن يتعرض طريق كلّف الميزانية العمومية أزيد من 43 مليون درهم لانهيار في أول اختبار مناخي حقيقي، يضع مسألة الجودة والتقدير التقني في صلب النقاش العمومي.
وكان هذا المشروع قد دُشّن مطلع سنة 2025 بحضور وزير التجهيز والماء نزار بركة، في إطار وعود رسمية بفك العزلة عن عدد من الجماعات القروية وتعزيز الربط الطرقي والسياحي بالمنطقة.
غير أن الواقع الميداني، بعد أقل من سنة، أفرز مفارقة مقلقة بين خطاب الافتتاح ونتائج الإنجاز، وهو ما يستدعي قراءة هادئة ومسؤولة لأسباب هذا التعثر.
لقد أصبح من الشائع، في السنوات الأخيرة، ربط أعطاب البنية التحتية بـ“التغيرات المناخية”، وهي حجة لا تخلو من الوجاهة العلمية.
غير أن هذا المعطى ذاته يفرض، بالمقابل، مراجعة عميقة لدفاتر التحملات والدراسات الجيوتقنية، خاصة في المناطق الجبلية ذات التربة الهشة مثل منطقة مولاي عبد السلام، حيث يُفترض أن تكون مخاطر الانجراف والسيول ضمن السيناريوهات المتوقعة، لا المفاجئة.
إن الخصوصيات الطبيعية للمنطقة ليست معطى جديداً أو مجهولاً، بل هي عناصر ثابتة كان ينبغي أن تُؤخذ بعين الاعتبار من خلال حلول هندسية ملائمة، تشمل أنظمة تصريف فعالة وجدران دعم قادرة على امتصاص ضغط السيول، بما يضمن استدامة الطريق وسلامة مستعمليها.
وفي خضم هذا الوضع، تجد الساكنة المحلية نفسها في مواجهة عزلة مؤقتة وصعوبات يومية في التنقل، بينما يتجه النقاش نحو أسئلة أعمق تتعلق بمساطر المراقبة والتتبع: كيف جرى تسلّم المشروع؟ وما هي آليات الافتحاص التقني المعتمدة؟ وهل تم تقييم قدرة الطريق على الصمود في ظل سيناريوهات مناخية قاسية أصبحت اليوم واقعاً متكرراً؟
إن ما وقع بالعرائش لا يمكن اختزاله في حادث تقني معزول، بل يعكس الحاجة إلى إعادة التفكير في مقاربة إنجاز مشاريع البنية التحتية، بما يجعل الجودة والاستباق والمساءلة عناصر مركزية في التخطيط والتنفيذ.
فإعادة تأهيل الطريق، مهما كانت استعجالية، لن تكون ذات جدوى إن لم تُرفق بتقييم شفاف يضمن عدم تكرار نفس الاختلالات مستقبلاً.
